في خضم التصعيد المتسارع بين الاحتلال الإسرائيلي والجمهورية الإسلامية الإيرانية، خرج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بموقف لافت يتجاوز الحياد التقليدي، ليؤكد بوضوح دعم موسكو لبقاء النظام الإيراني، محذراً من مغبة الانخراط في أي مشاريع لتغيير النظام، ومعتبراً أن المجتمع الإيراني “يتحد حول قيادة الجمهورية الإسلامية”، في رسالة مباشرة إلى واشنطن وتل أبيب.

 رسائل بوتين في قلب العاصفة

تصريحات بوتين لم تأتِ في سياق دبلوماسي روتيني، بل جاءت ضمن موجة متصاعدة من التهديدات الإسرائيلية المبطّنة والعلنية تجاه النظام في طهران، خاصة بعد الضربات الإسرائيلية الأخيرة التي طالت مواقع حساسة، بعضها قرب منشآت نووية، وفق ما أكدته المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، محذرة من اقتراب العالم من “كارثة نووية”.

رد بوتين على احتمال تغيير النظام الإيراني لم يقتصر على الرفض، بل حمل إشارة دعم ضمني لطهران، بإشارته إلى تماسك المجتمع الإيراني خلف قيادته. وهذه رسالة روسية حاسمة: أي مغامرة تستهدف النظام في طهران تعني زعزعة شاملة في الإقليم، وروسيا لن تقف متفرجة.

 روسيا بين “الردع السياسي” و”التحالف الإستراتيجي”

يبدو أن الكرملين يحاول احتواء تداعيات التصعيد الإقليمي من خلال تقديم نفسه كوسيط محتمل، مستندًا إلى اتفاق الشراكة الإستراتيجية الذي وُقّع بين روسيا وإيران في يناير الماضي، والذي يمتد لعشرين عامًا، ويركز على التعاون الاقتصادي والسياسي، دون الانخراط في تحالف عسكري مباشر.

لكن هذا الاتفاق لا ينفصل عن السياق الجيوسياسي الحالي، خاصة وأن روسيا تخوض منذ 2022 مواجهة مفتوحة مع الغرب في أوكرانيا، وتبحث عن تعزيز تحالفاتها في الشرق الأوسط، وتحديدا مع دول تعارض الهيمنة الأمريكية.

 تحذيرات موسكو من التصعيد

نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، شدد على أن أي تدخل عسكري أمريكي مباشر في النزاع مع إيران سيكون بمثابة خطوة انتحارية تهدد استقرار الشرق الأوسط برمته. وحذر من أن “الخيارات التخيلية الخطيرة” قد تقلب المنطقة رأسًا على عقب، في إشارة إلى خطط إدارة ترمب المحتملة للانضمام إلى الاحتلال في تنفيذ ضربات مشتركة ضد منشآت نووية إيرانية.

الموقف الروسي ليس مجرد “دبلوماسية تقليدية”، بل يعكس أيضًا القلق الحقيقي من تسرب تداعيات النزاع إلى مناطق نفوذ روسي، سواء في سوريا أو القوقاز أو الخليج، خاصة أن أي مواجهة إيرانية-إسرائيلية ستتداخل تلقائيًا مع خطوط التماس الجيوسياسية التي ترعاها موسكو.

 رسائل متعددة المستويات

  1. لواشنطن وتل أبيب: لا تراهنوا على “تفكك داخلي” في إيران، فالدولة ما زالت تملك قاعدة شعبية وقدرات ردع، وموسكو لن تسمح بإعادة سيناريو العراق أو ليبيا في طهران.

  2. لإيران: استمروا في المقاومة لكن لا تتجاوزوا حدود الحرب الشاملة، فالدعم الروسي مشروط بعدم الانزلاق إلى صراع عالمي.

  3. للمجتمع الدولي: موسكو تحاول تموضع نفسها كوسيط نزيه، لكنها لن تقف مكتوفة الأيدي إذا تفجرت حرب تؤثر على استقرار مصالحها الإقليمية.

 ما الذي ينتظر المنطقة؟

رغم التحذيرات الروسية، فإن الحديث المتزايد في واشنطن وتل أبيب عن الضرب على الرأس الإيراني يشي بأن المواجهة دخلت مرحلة أكثر خطورة، وأن تلويح بوتين بـ”كارثة نووية” لم يعد مجرد تهويل إعلامي، بل تحذير من سيناريو يقترب.

في ظل هذه المعادلات المعقدة، يبقى السؤال الأهم: هل تنجح روسيا في فرض وساطتها ووقف التصعيد؟ أم أن التحالف الأمريكي-الإسرائيلي سيُفضّل خيار الحرب على طاولة التفاوض؟

اقرأ أيضا: هل تنجح مفاوضات روسيا وأوكرانيا التاريخية في إسطنبول؟