منح ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة وسامًا للسفير البريطاني في المنامة أليستر لونغ، في مشهد بدا للوهلة الأولى بروتوكوليًا عاديًا: دولة تكرّم دبلوماسيًا أجنبيًا عند انتهاء أو أثناء مهمته. لكن خلف الصورة الرسمية، تكشف الواقعة فضيحة أعمق بكثير؛ فضيحة تتقاطع فيها الدبلوماسية البريطانية مع محاولات النظام البحريني تلميع صورته الدولية، في وقت تتصاعد فيه الاتهامات الحقوقية ضده بسحب الجنسية، واستهداف المعارضين، وقمع النشطاء، وتعذيب المحتجزين حتى الموت.
المشكلة الأولى ليست سياسية فقط، بل إجرائية أيضًا. فوفقًا لقواعد وزارة الخارجية البريطانية، لا يجوز لرؤساء البعثات الدبلوماسية قبول أوسمة أو جوائز أجنبية أثناء توليهم مناصبهم، أو عند مغادرتهم، أو حتى بعد انتهاء خدمتهم في الدولة المضيفة. كما يفترض أن تطلب الحكومة الأجنبية إذنًا رسميًا من لندن قبل منح أي وسام لمواطن بريطاني. لكن ما حدث مع السفير البريطاني في البحرين يطرح سؤالًا مباشرًا: هل خالفت المنامة هذه القواعد عمدًا؟ وهل تغاضت الخارجية البريطانية عن انتهاك متكرر للبروتوكول عندما يكون الطرف الآخر حليفًا خليجيًا نافذًا؟
ليست هذه المرة الأولى. الوسام الممنوح لأليستر لونغ هو، بحسب التقرير، الرابع من نوعه الذي يحصل عليه سفراء بريطانيون لدى البحرين، بعد أوسمة مشابهة مُنحت لأسلافه: إيان ليندسي، وسايمون مارتن، ورودريك دراموند. هنا لا نتحدث عن خطأ بروتوكولي عابر، بل عن نمط متكرر: النظام البحريني يمنح أوسمة لسفراء بريطانيا، والدبلوماسية البريطانية تبدو مرتبكة بين قواعدها الرسمية ورغبتها في تجنب إحراج حليف خليجي.
اللورد سكريفن، عضو مجلس اللوردات عن الحزب الليبرالي الديمقراطي، وصف الأمر بعبارة كاشفة حين قال إن هذه الممارسة ترسل رسالة واضحة مفادها أن “دبلوماسيينا وموظفينا المدنيين معروضون لمن يريد شراءهم أو كسبهم”. وفي رسالة إلى وزيرة الخارجية البريطانية، اعتبر سكريفن أن تكرار هذه الأوسمة يعكس نمطًا تتعمد فيه الحكومة البحرينية تجاهل البروتوكول الدبلوماسي البريطاني، بينما تبدو لندن عاجزة أو غير راغبة في فرض قواعدها على نظام حليف.
الأخطر أن هذه الأوسمة لا تأتي في فراغ. فهي تُمنح في لحظة تتحدث فيها منظمات حقوقية وسياسيون بريطانيون عن تدهور خطير في ملف حقوق الإنسان داخل البحرين. رسالة سكريفن أشارت إلى قضايا شديدة الحساسية، من بينها سحب الجنسية بشكل جماعي من شيعة من أصول إيرانية، واستهداف النشطاء ورجال الدين الشيعة، ووفاة سيد محمد الموسوي، البالغ من العمر 32 عامًا، بعد اختفائه قسريًا في مارس، وسط تقارير حقوقية قالت إنه توفي داخل الاحتجاز وعلى جسده آثار تعذيب.
بهذا المعنى، لا يبدو الوسام تكريمًا بريئًا. إنه جزء من معركة صورة. النظام البحريني، الذي يواجه اتهامات مستمرة بالقمع الطائفي والسياسي، يضع أوسمة على صدور دبلوماسيين بريطانيين، وكأنه يريد أن يقول للعالم إن علاقته بلندن طبيعية، بل ودافئة، وإن ممثلي الدولة التي تتحدث عن حقوق الإنسان يغادرون المنامة مكرّمين لا محتجين. هنا تتحول الجائزة إلى أداة تبييض سياسي، وتتحول الدبلوماسية إلى واجهة ناعمة تُخفي خلفها ملفات التعذيب وسحب الجنسية وسجن المعارضين.
وثائق حصل عليها ناشطون حقوقيون عبر طلبات حرية المعلومات تكشف مستوى آخر من الفضيحة. ففي مراسلات داخل الخارجية البريطانية وقت كان رودريك دراموند سفيرًا في البحرين عام 2023، ظهر أن هناك نصيحة بأن هذا النوع من الأوسمة يجب رفضه. لكن المراسلات أشارت أيضًا إلى أنه إذا لزم الأمر، يمكن قبوله بأدب “لتجنب الإحراج”، ثم الاحتفاظ به “كتذكار”. هذه العبارة وحدها تكشف عقلية خطيرة: ليست المشكلة عند لندن في أن نظامًا متهمًا بالقمع يحاول تكريم سفرائها، بل في كيفية إدارة الإحراج الدبلوماسي بأقل قدر من الضجيج.
ما الذي يعنيه أن يُنصح دبلوماسي بقبول وسام من نظام قمعي “لتجنب الإحراج”؟ إحراج من؟ إحراج الضحية أم إحراج الجلاد؟ هل الإحراج الحقيقي هو رفض وسام من ملك البحرين، أم قبول وسام من نظام تُتهم أجهزته بسحب الجنسيات وتعذيب المحتجزين واستهداف المدافعين عن حقوق الإنسان؟ هذه الأسئلة تضع الخارجية البريطانية في قلب القضية، لا على هامشها.
تزيد الفضيحة عمقًا عندما نربطها بسجل البحرين الحقوقي. فبحسب أحدث تقارير منظمات حقوقية، تواصل الحكومة البحرينية قمع حرية التعبير واحتجاز مدافعين بارزين عن حقوق الإنسان وقادة سياسيين بشكل تعسفي. ورغم إعلان عفو شمل 630 سجينًا في العام الماضي، فإن ذلك لا يمحو بنية القمع ولا يغير طبيعة النظام الأمني الذي يلاحق المعارضين في الداخل والخارج. العفو الجزئي قد يقدم صورة إصلاحية مؤقتة، لكنه لا يجيب عن السؤال الجوهري: لماذا لا يزال المدافعون عن حقوق الإنسان والقادة السياسيون والنشطاء الدينيون مستهدفين أصلًا؟
ومن بين الأسماء التي تظل حاضرة بقوة في هذا السياق، الناشط الحقوقي البحريني البارز عبد الهادي الخواجة، المسجون منذ سنوات، والذي أصبحت قضيته رمزًا لقمع الحركة الحقوقية في البحرين. كما أن ابنته مريم الخواجة دفعت ثمنًا سياسيًا وقانونيًا لدفاعها عن والدها وعن ضحايا النظام. وجود هذه الأسماء في خلفية المشهد يجعل أي وسام بحريني لدبلوماسي بريطاني أكثر من مجرد خطأ بروتوكولي؛ إنه رسالة مؤلمة للضحايا بأن الجلاد لا يزال قادرًا على صناعة الاحترام الدولي لنفسه.
سيد أحمد الوداعي، مدير المناصرة في معهد البحرين للحقوق والديمقراطية، وصف قبول السفير البريطاني للوسام بأنه يجعله “مساومًا أخلاقيًا”. الوداعي، وهو نفسه ناجٍ من التعذيب وفرّ من ملاحقة السلطات البحرينية، قال إن الأمر كان متوقعًا بعد أن أشاد السفير بقيادة ملك البحرين و”رؤيته”، رغم ما وصفه بالحكم الوحشي والديكتاتوري. وأضاف أنه لا ينبغي لأي دبلوماسي بريطاني أن يقبل تكريمًا من حاكم في وقت تُسحب فيه جنسية أطفال ويُتركون بلا وطن، ويموت رجل في الثانية والثلاثين تحت التعذيب.
هذه العبارة تلخص جوهر الفضيحة: ليست المسألة أن وسامًا خالف قاعدة دبلوماسية، بل أن الوسام يأتي بينما الضحايا يدفعون أثمانًا حقيقية. طفل يُسلب من جنسيته، معارض يُلاحق، رجل دين يُستهدف، ناشط يُسجن، محتجز يختفي ثم يعود خبر وفاته وعليه آثار التعذيب. في مقابل ذلك، يقف سفير بريطاني في مراسم تكريم، وتلتزم الخارجية البريطانية الصمت أو ترفض التعليق على السجل.
ولا تقف القضية عند السفير الحالي. في عام 2025، تعرض اللورد طارق أحمد، الوزير البريطاني السابق لشؤون الشرق الأوسط، لانتقادات بعد توليه دورًا مدفوع الأجر كمستشار لدى مركز مرتبط بالحكومة البحرينية. ورغم أن لجنة بريطانية مختصة بمراجعة التعيينات بعد المناصب الحكومية سمحت له بتولي الدور، فإن منتقدين وصفوا الخطوة بأنها جزء من عملية “تبييض” لصورة البحرين. هذه الواقعة تكمل الصورة: أوسمة للدبلوماسيين، وظائف ومناصب استشارية لشخصيات سياسية سابقة، وعلاقات ناعمة تعمل في الخلفية بينما تستمر الانتهاكات.
هنا يبرز السؤال الذي طرحه اللورد سكريفن بوضوح: لمن يعمل الدبلوماسيون البريطانيون فعلًا؟ هل يعملون من أجل المصالح العامة والقواعد التي تحكم سلوكهم، أم يصبحون جزءًا من شبكة علاقات تسمح لأنظمة مثل البحرين بشراء الرمزية والاحترام والصمت؟ عندما يكرر نظام قمعي منح الأوسمة لسفراء دولة ديمقراطية، وعندما تُدار هذه الوقائع داخل الخارجية بلغة “تجنب الإحراج”، فإن المسألة تصبح أكبر من شخص واحد. نحن أمام بنية علاقات كاملة تسمح للنظام البحريني بأن يكافئ من يفترض أنهم يراقبونه أو يمثلون دولة تقول إنها تدافع عن حقوق الإنسان.
ولا يمكن فصل هذا عن الاتهامات الموجهة للبحرين، إلى جانب دول خليجية أخرى، بممارسة القمع العابر للحدود داخل بريطانيا. فقد اتهم ناشطون بريطانيون السلطات البحرينية باستهداف معارضين ومنفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان خارج البلاد. وهذا يجعل العلاقة مع لندن أكثر حساسية: فبريطانيا ليست فقط شريكًا دبلوماسيًا للمنامة، بل هي أيضًا ملاذ لبعض ضحاياها. فإذا كانت الدولة التي تستضيف الضحايا تقبل أوسمة من النظام الذي يلاحقهم، فكيف يمكن لهؤلاء الضحايا أن يثقوا فعلًا في حياد الحماية البريطانية؟
الفضيحة إذن مزدوجة. البحرين تستخدم التكريم كأداة سياسية لتلميع حكمها وإرسال رسالة بأنها تحظى بقبول واحترام دبلوماسي بريطاني، رغم سجلها الحقوقي. وبريطانيا، من جهتها، تبدو مستعدة للتعايش مع هذا السلوك، أو على الأقل عاجزة عن وقفه، لأنها لا تريد تعكير علاقة استراتيجية مع نظام خليجي حليف. وفي المنتصف، يقف الضحايا: من سُحبت جنسياتهم، ومن اعتُقلوا، ومن عُذبوا، ومن ماتوا في الاحتجاز، ومن يعيشون في المنفى تحت الخوف والملاحقة.
الأسوأ أن الخارجية البريطانية رفضت التعليق على السجل. هذا الصمت ليس تفصيلًا. في قضايا كهذه، الصمت موقف سياسي. عندما تُثار مزاعم بانتهاك قواعد قبول الأوسمة، وتُطرح أسئلة عن علاقة دبلوماسيين بريطانيين بنظام متهم بالتعذيب والقمع، ثم ترفض الوزارة التعليق، فإنها لا تحمي سمعتها، بل تعمق الشكوك حول استعدادها لمحاسبة نفسها أو مواجهة حلفائها.
إن وسام البحرين للسفير البريطاني ليس حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل نافذة على طريقة عمل النفوذ الخليجي داخل الدبلوماسية البريطانية. فمن خلال التكريم، والمراكز المرتبطة بالحكومات، والعلاقات الشخصية، والمناصب الاستشارية، والحرص على “تجنب الإحراج”، تُبنى شبكة ناعمة تسمح للأنظمة القمعية بأن تشتري لنفسها صورة الاعتدال والاستقرار، بينما تُدفن أسئلة التعذيب والتمييز وسحب الجنسية تحت طبقات من المجاملات الرسمية.
وإذا كانت بريطانيا جادة فعلًا في الحديث عن حقوق الإنسان وسيادة القانون، فعليها أن تبدأ من أبسط اختبار: ألا تسمح لدبلوماسييها بأن يتحولوا إلى أدوات تلميع لأنظمة متهمة بانتهاكات جسيمة. فقبول وسام من حاكم متهم بقمع شعبه ليس مجرد مسألة بروتوكولية؛ إنه رسالة سياسية. ورسالة كهذه، في لحظة يموت فيها محتجزون تحت التعذيب وتُسحب جنسيات معارضين وأطفال، لا يمكن قراءتها إلا باعتبارها طعنة جديدة للضحايا.
في النهاية، تكشف هذه القضية الوجه الحقيقي للعلاقة بين لندن والمنامة: نظام بحريني يسعى إلى شراء الشرعية عبر الأوسمة والعلاقات الناعمة، ودبلوماسية بريطانية تعرف القواعد لكنها تلتف حولها، أو تسمح بتجاوزها، عندما يكون الطرف الآخر حليفًا غنيًا ومفيدًا. وبينهما تضيع العدالة، ويُترك الضحايا أمام مشهد قاسٍ: الجلاد يوزع الأوسمة، والدبلوماسيون يبتسمون، وبريطانيا تفضّل الصمت.