تحليل للصحفي أندرو روث – الغارديان
كان من المفترض أن تكون عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض فرصة لإعادة رسم السياسات الخارجية الأمريكية نحو قدر أكبر من الحذر والعزلة، خاصة بعد تعهده مرارًا بعدم التورط في حروب جديدة. لكن ما حدث في الأيام الماضية يكشف بوضوح أن إدارة ترامب الجديدة لم تُعد فقط إلى دائرة التدخلات العسكرية، بل سقطت سريعًا في شباك التصعيد الإسرائيلي، وبدأت تنفيذ أخطر ضربة ضد إيران منذ سنوات، في خطوة تهدد بجرّ المنطقة إلى حرب شاملة.
عند توليه المنصب مجددًا، بدا ترامب عازمًا على كبح جماح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المعروف بدهائه وقدرته على استغلال الإدارات الأمريكية لصالح أجنداته العسكرية. في البداية، كانت هناك إشارات إلى أن واشنطن ستسعى للجم اندفاع تل أبيب نحو التصعيد، بل إن مبعوث ترامب إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف حاول دفع نتنياهو إلى اتفاق تهدئة مع حماس، حتى أنه أصر على لقائه يوم السبت، متجاوزًا حساسية الشبات الدينية.
غير أن هذه المؤشرات تلاشت بسرعة، وبعد 4 أشهر من العودة للسلطة، قررت إدارة ترامب المشاركة الفعلية في قصف منشآت تخصيب اليورانيوم في إيران عبر طائرات B-2، بعدما فشلت في ثني إسرائيل عن شن غاراتها المتواصلة. ومن الواضح أن المؤسسة الأمنية والسياسية في واشنطن تخلت عن نهج الانعزال ومالت نحو تصعيد غير محسوب، قد تكون عواقبه وخيمة ليس فقط على إيران، بل على استقرار الشرق الأوسط بأسره.
المفارقة أن هذه الضربات جاءت بعد أيام فقط من وصف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو للهجمات الإسرائيلية بأنها “أحادية” ونفيه أي مشاركة أمريكية فيها، مؤكدًا أن أولويات بلاده تتمثل في حماية قواتها فقط. لكن واشنطن سرعان ما بدلت خطابها، وانخرطت مباشرة في الهجوم، متبنية بالكامل الرواية الإسرائيلية، ومعلنة دعمها لخطط نتنياهو التوسعية.
ترامب نفسه خرج ليهنئ نتنياهو قائلًا: “عملنا كفريق لم يسبق له مثيل، وقطعنا شوطًا كبيرًا في القضاء على هذا التهديد الرهيب لإسرائيل”. بهذه الكلمات، دفن ترامب نهائيًا أي تمايز بين الموقف الأمريكي والإسرائيلي، مجسدًا اندماجًا كاملًا بين مصالح الاحتلال وتوجهات الإدارة الأمريكية، على حساب القانون الدولي والشعوب المتضررة من هذه السياسات العدوانية.
القلق الآن يتزايد بشأن ما إذا كانت هذه الضربات مجرد خطوة واحدة في سلسلة تصعيد أوسع. مسؤولون داخل إدارة ترامب، بمن فيهم نائبه جيه دي فانس، حذروا من أن أي رد إيراني قد يفتح الباب أمام تدخل أوسع، وربما صراع طويل المدى. ومع أن ترامب يحاول الحفاظ على خطاب مزدوج يوحي بأن الضربة كانت محدودة، إلا أن الرسائل الموجهة لطهران تحمل تهديدًا واضحًا بالتصعيد حال وقوع أي هجوم مضاد.
اللافت أن إسرائيل لم تُبد أي نية للتراجع. بل على العكس، عبّر نتنياهو عن سعادته بالدعم الأمريكي غير المشروط، معتبرًا أن “القرار الشجاع” لترامب سيغير مجرى التاريخ. هذه اللهجة توحي بأن الاحتلال يشعر الآن بتفويض مفتوح لمواصلة نهجه العسكري التوسعي، مدعومًا برئيس أمريكي لم يعد يضع حدودًا للانحياز.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد خلاف سياسي داخل البيت الأبيض، بل هو تحوّل خطير في السياسة الأمريكية، يعكس استسلامًا تامًا للإرادة الإسرائيلية، ويفضح زيف الخطابات السابقة عن السلم والحلول الدبلوماسية. وما يزيد من قتامة الصورة هو أن هذا التحوّل يحدث في ظل استمرار الإبادة الجماعية التي تنفذها إسرائيل في غزة، وتواطؤ غربي غير مسبوق معها.