تغيير حجم الخط ع ع ع

 

“لن أنسى أبداً حجم الدمار ولا الشعور بأن الموت أحياناً كان على مسافة قريبة”.. كلمات حفرت في ذاكرة الملايين ممن حملوا القضية الفلسطينية في قلوبهم.. هي كلمات لا تنسى للصحفية الراحلة “شيرين أبو عاقلة” التي قضت اليوم برصاص قناص إسرائيلي غادر، في مدينة جنين.. بهمة الأبطال استيقظت باكراً اليوم وسعت لتنقل الحقيقة كعادتها حيث أنها علمت بتوجه جنود الاحتلال صباحاً إلى منطقة الجابريات بين مخيم جنين وقرية برقين غربي مدينة جنين، بهدف اعتقال أحد المطلوبين الفلسطينيين، ولم تعلم أنها ستكون التغطية الاخيرة وأن رصاصة غادرة ستصيبها في منطقة قاتلة بالرأس وتنهي مسيرة حافلة من العمل المهني الصحفي وتسطر نهاية لحياة “شيرين أبو عاقلة”.

 

من هي شيرين أبو عاقلة؟!

أيقونة الصحافة “شيرين نصري أبو عاقلة” وُلدت عام 1971 في مدينة القدس لأسرة تنحدر من مدينة بيت لحم جنوب الضفة الغربية، وأنهت دراستها الثانوية في مدرسة راهبات الوردية ببيت حنينا في المدينة المقدسة، ثم التحقت بجامعة العلوم والتكنولوجيا في الأردن لدراسة الهندسة المعمارية قبل أن تنتقل إلى تخصص الصحافة في جامعة اليرموك الأردنية، بعد التخرج عادت شيرين إلى فلسطين وعملت في مهام إعلامية مع عدة جهات، مثل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، وإذاعة صوت فلسطين، وقناة عمان الفضائية، ثم مؤسسة مفتاح، وإذاعة مونت كارلو., في عام 1997 انضمت شيرين إلى طاقم قناة الجزيرة الفضائية في بداية تأسيسه بالأراضي الفلسطينية، وظلت تعمل فيها حتى قضت صباح اليوم برصاصة غادرة.

 

شيرين أبو عاقلة .. تاريخ حافل

ظلت شيرين تنقل رسالة فلسطين لنحو 3 عقود، لم تترك فيها الراحلة قرية أو مدينة أو مخيماً فلسطينياً إلا وأعدت عنه أو منه قصة صحفية شهدت خلالها أهم الأحداث الفلسطينية.. كان أبرزها تغطية أحداث انتفاضة الأقصى الثانية بين عامي 2000 و2004، التي اجتاح الاحتلال الإسرائيلي فيها الضفة الغربية، وغطت فيها عمليات قصف واغتيال وأحداثاً بالغة الخطورة، دلت على جسارتها وشجاعتها في التواجد في الأماكن الخطرة.. كما شاركت بتغطيات صحفية عديدة في مواجهات القدس وغزة والضفة الغربية والداخل، وكان آخرها المواجهات في القدس والمسجد الأقصى وحي الشيخ جراح، كما تعرضت للتنكيل والاعتداء من جيش الاحتلال، وأصيبت برصاص الاحتلال أكثر من مرة وفي أكثر من موضع، فقد عرفت بشجاعتها وإقدامها لإظهار الحقيقة.

لم يقتصر عطاؤها على الداخل الفلسطيني فحسب فقد كانت آخر تغطية شاركت بها في مصر قبل عدة أشهر، حيث كانت من أوائل الصحفيين الذين انتقلوا هناك عقب إعادة فتح مكتب قناة الجزيرة في القاهرة، وظلت هناك بضعة أسابيع قبل أن تنتقل للعاصمة القطرية الدوحة، كما برزت في تغطية عدة أحداث عالمية، ومن بينها الانتخابات الأميركية السابقة.

 

المشهد الأخير 

وثق مقطع فيديو لحظات استهداف الراحلة “شيرين أبو عاقلة” حيث يظهر أنها تم استهدافها وهي ترتدي لباس الصحافة الكامل “الدرع والخوذة” مكتوب عليهم باللغتين العربية والإنجليزية “صحافة” “PRESS”، كما يظهر الفيديو حالة المكان الخالي من المتظاهرين والمحتجين مما يدل على استهداف القناصة الإسرائيلية للصحفيين، حيث أصيب الصحفي “علي السمودي” برصاصة بالظهر قبل إصابة “شيرين أبو عاقلة” بقليل التي أصيبت برصاصة في الرأس.. كما منعت قوات الاحتلال وصول الإسعاف وطاقم الصحفيين لمحاولة إنقاذ “شيرين أبو عاقلة” من خلال إطلاق النيران العشوائي على كل من يقترب منها.. وبعد محاولات عديدة استطاع أحد الأشخاص أن يصل إليها في محاولة لإسعافها تحت قصف الاحتلال وتم نقلها إلى مشفى ابن سينا التخصصي بالمدينة، لكن أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية مقتلها بعد فشل محاولات إنعاشها.. شيرين لم تكن الأولى وعلى ما يبدو من إجرام الاحتلال تجاه الصحفيين أنها لن تكون الأخيرة حيث وثقت تقارير اغتيال الاحتلال الإسرائيلي لـ 47 صحفياً منذ عام 2000 حتى الآن كما يقبع في سجون الاحتلال أكثر من 19 صحفي دون توجيه التهم إليهم، كما سجلت منظمات حقوقية العديد من الانتهاكات بحق الصحفيين، كان منها استهداف وقصف مكتب الجزيرة في قطاع غزة خلال العدوان الأخير بالعام الماضي.

 

العالم حزين لرحيلها

عم الحزن أوساط الصحافة العالمية وفي فلسطين خاصة بعد الإعلان عن وفاة “شيرين أبو عاقلة” كما أدانت عدة مؤسسات صحفية ومنظمات دولية جريمة إعدام الصحفية الراحلة كانت أهمها أن طالب المنسق الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط بإجراء تحقيق فوري وشامل ومحاسبة المسؤولين عن قتل مراسلة الجزيرة شيرين أبو عاقلة، كما حث السفير الأمريكي لدى الاحتلال الإسرائيلي على إجراء تحقيق شامل في مقتلها.. فيما أعرب الناطق الرسمي للاتحاد الأوروبي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لويس ميغال بوينو، عن صدمته جراء استشهاد الصحفية أبو عاقلة وطالب بفتح تحقيق “مستقل وسريع” قائلاً “لقد صدمنا بمقتل الصحفية “شيرين أبو عاقلة” أثناء تأديتها لعملها في تغطية التوغل الإسرائيلي في جنين. نعرب عن خالص تعازينا لعائلتها وندعو إلى إجراء تحقيق مستقل وسريع لتقديم الجناة إلى العدالة”، علاوة على ذلك فقد عم الحزن بالعاملين بقناة الجزيرة الذين زاملوا الراحلة لسنين عدة والذين ودعوها بالدموع والحزن والأسى.

ستبقى “شيرين أبو عاقلة” خالدة في قلوب الملايين ممن يحملون القضية الفلسطينية وستبقى كلماتها التي عبرت عن الحقيقة وكانت صوت الصحافة الحر، محفورة في ذاكرة الأمة العربية.