في تراجع دبلوماسي مفاجئ وغير مبرر أثار جملة من علامات الاستفهام حول بوصلة المواقف السياسية للمملكة، أقدمت وزارة الخارجية السعودية على حذف بيان رسمي مشترك يدين إقدام إقليم “أرض الصومال” (صوماليلاند) الانفصالي على افتتاح سفارة له في مدينة القدس المحتلة. 

وجاءت هذه الخطوة الصادمة بعد ساعات قليلة من نشر البيان على الحسابات الرسمية للوزارة في جميع منصات التواصل الاجتماعي، بما في ذلك منصة “إكس”، بالإضافة إلى الموقع الإلكتروني الرسمي للوزارة، دون تقديم أي إيضاح أو تبرير رسمي لهذا السحب المفاجئ.

وكانت الخارجية السعودية قد نشرت في وقت سابق بياناً وزاريّاً مشتركاً حاد اللهجة، صادر عن وزراء خارجية 15 دولة عربية وإسلامية (من بينها السعودية، ومصر، وقطر، والأردن، وتركيا، وباكستان، وإندونيسيا، والصومال، وفلسطين)، يدين بأشد العبارات الخطوة الانفصالية، ويصفها بأنها “انتهاك صارخ للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، ومساس مباشر بالوضع القانوني والتاريخي لمدينة القدس المحتلة”، مؤكداً الرفض التام لمنح أي شرعية لكيانات دبلوماسية داخل القدس الشرقية باعتبارها أرضاً فلسطينية محتلة عام 1967.

تراجع يخدم مخططات التقسيم والمشروع الصهيوني في القرن الإفريقي

يرى مراقبون ومحللون سياسيون أن هذا التراجع السعودي غير المبرر يحمل مؤشرات سلبية خطيرة؛ كونه يتقاطع—عن قصد أو غير قصد—مع مخطط مشبوه يقوده كيان الاحتلال الإسرائيلي لتفتيت الدول العربية والمسلمة وإعادة هندسة جغرافيا القرن الإفريقي بما يخدم مصالحه الأمنية. وتتجلى أبعاد هذا الموقف في النقاط التالية:

  • شرعنة كيانات التقسيم: يمثل إقليم “أرض الصومال” حركة انفصالية غير معترف بها دولياً تسعى لتمزيق وحدة جمهورية الصومال الفيدرالية. ويأتي الصمت أو التراجع عن إدانتها بمثابة منح ضوء أخضر غير مباشر لمشاريع التفتيت التي تستهدف تدمير سيادة الدول العربية المأزومة.
  • الارتهان للمخطط الإسرائيلي: أعلن سفير الإقليم الانفصالي لدى كيان الاحتلال، محمد حاجي، في 19 مايو/أيار الجاري، أن الإقليم سيفتح سفارته في القدس المحتلة لتكون “أول سفارة له في العالم”. هذا التزامن يثبت أن الكيان الصهيوني هو المحرك الأساسي لهذا الكيان الانفصالي، مستخدماً إياه كخنجر في خاصرة الأمن القومي العربي عند مضيق باب المندب والبحر الأحمر، مقابل تقديم وعود بانتزاع اعتراف دولي له.
  • ضرب الإجماع الإسلامي: إن تراجع الرياض عن بيان صاغته ووقعت عليه دول مركزية كتركيا ومصر وقطر، يعكس تخبطاً في إدارة الملفات السيادية، ويظهر المملكة في موقف المتراجع عن ثوابت الدفاع عن عروبة القدس المحتلة، خضوعاً لضغوط إقليمية أو دولية تريد تمرير التطبيع والتقسيم كأمر واقع.

اختراق صهيوني ناعم وثمن سياسي باهظ

تأتي هذه السقطة الدبلوماسية لتكشف عن المدى الذي وصلت إليه الضغوط الممارسة على العواصم العربية؛ حيث تحول إقليم “أرض الصومال” من مجرد إقليم متمرد إلى أداة وظيفية علنية بيد حكومة الاحتلال الصهيوني.

ويحذر باحثون في الشؤون الجيوسياسية من أن تراجع الخارجية السعودية عن إدانة هذا المسلك لن يفسر في تل أبيب إلا كعلامة ضعف، وضمانة لاستمرار الجموح الإسرائيلي في اختراق العمق الإفريقي والعربي. 

وبدلاً من أن تقود الرياض جبهة التصدي للمشروع الصهيوني التفتيتي، أوقعها سحب البيان في حرج بالغ أمام الشعوب العربية والإسلامية، مظهرة إياها بمظهر المتخلي عن دعم وحدة الصومال الشقيق وعن حماية المقدسات الإسلامية في فلسطين المحتلة.

اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين