تواجه دولة الإمارات العربية المتحدة ملاحقة قضائية ودولية غير مسبوقة بتهمة تمويل وتدبير مجازر التطهير العرقي في السودان؛ حيث قدمت الفدرالية الدولية للحقوق والتنمية (IFRD) شكوى جنائية رسمية أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، تطالب بفتح تحقيق دولي عاجل ضد أبوظبي لدورها في هندسة مجزرة مدينة “الفاشر” عاصمة ولاية شمال دارفور.

وكشفت صحيفة إل مانيفستو الإيطالية أن المذكرة القانونية تضع دولة الإمارات في قلب شبكة إجرامية دولية عابرة للحدود، مولت وسلحت ميليشيا الدعم السريع المتمردة، مسميةً بشكل مباشر نائب رئيس الدولة، منصور بن زايد بوصفه المخطط والشخصية المحورية المحركة لهذه المنظومة التدميرية.

وتأتي هذه الشكوى الجنائية عقب سقوط الفاشر بيد ميليشيا الجنجويد في أكتوبر/تشرين الأول 2025 بعد حصار غاشم وقصف مدمر استمر 18 شهراً، حيث أكدت الفدرالية الدولية أن المجازر المرتكبة تحمل مؤشرات قاطعة على عملية إبادة جماعية ممنهجة استهدفت المجتمعات القبائلية غير العربية في دارفور (لا سيما قبيلتي الفور والزغاوة)، مشددة على أن المسؤولية الجنائية لا تتوقف عند قادة الميليشيا الميدانيين بل تلاحق مباشرة الممول والداعم اللوجستي في أبوظبي.

المادة (25) من نظام روما: تتبع خيوط الإجرام المالي والعسكري لأبوظبي

وطالبت المنظمة الحقوقية المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بتحريك الملاحقة استناداً إلى المادة (25) من نظام روما الأساسي، والتي تمنح الاختصاص في ملاحقة ومحاكمة كل من أمر، أو حرض، أو سهل، أو ساهم بالدعم والمساعدة في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، حتى وإن كان الفاعل خارج الحدود الجغرافية للدولة التي شهدت المذابح.

واستندت المذكرة القضائية إلى حزمة وثائق استخباراتية وتحقيقات دولية موثقة تكشف أبعاد إجرام دولة الإمارات وتورطها البشع في دمار السودان:

  • المرتزقة الكولومبيون ومنشآت التدريب في أبوظبي: استدلت الشكوى بتقارير منظمة هيومن رايتس ووتش ومؤسسة The Sentry، والتي وثقت قيام شركة الأمن الخاصة (GSSG) التي تتخذ من أبوظبي مقراً لها وتتبع لمنصور بن زايد، بتجنيد وتدريب مرتزقة كولومبيين داخل منشآت عسكرية تابعة للجيش الإماراتي، قبل نقلهم سراً للقتال في صفوف الدعم السريع بريف الفاشر.
  • الجسر الجوي وغطاء الهلال الأحمر: كشفت الوثائق الأممية المرفقة شبكة النقل الجوي الإجرامية التي امتدت من مطارات الإمارات إلى مدينة “أم جرس” التشادية المحاذية لدارفور لتهريب الأسلحة الثقيلة والذخائر والطائرات المسيرة (المستوردة من فرنسا وبريطانيا والصين دون تراخيص إعادة تصدير)، حيث جرت عمليات التهريب تحت غطاء مستشفى ميداني تابع للهلال الأحمر الإماراتي تموله مؤسسات تابعة لمنصور بن زايد.
  • محور بنغازي اللوجستي: أشارت المذكرة إلى تحقيقات مؤسسة Lighthouse Reports التي كشفت تنسيق الإمارات مع قوات خليفة حفتر في شرق ليبيا لتوفير معسكرات تدريب وممرات عبور برية للمرتزقة والسلاح نحو دارفور.

السلاح الإعلامي المضلل: دور “سكاي نيوز عربية” في التغطية على المجازر

ولم تغفل الشكوى الجنائية الذراع الإعلامي لأبوظبي؛ إذ خصصت المنظمة حيزاً لملاحقة قناة “سكاي نيوز عربية”، المملوكة بأغلبيتها الساحقة لصندوق استثماري يتبع مباشرة لمنصور بن زايد. واتهمت الشكوى القناة بلعب دور تضليلي متواطئ عبر بث تقارير تزعم “استقرار الأوضاع” في الفاشر إبان الحصار، للتغطية على جرائم السحل والتهجير.

ووثقت المذكرة ظهور المذيعة السودانية في القناة، تسابيح مبارك، في لقاءات ترويجية مع الملازم أول في ميليشيا الدعم السريع شيراز خالد، والتي ظهرت لاحقاً في مقاطع فيديو ميدانية تحرض عناصر الجنجويد علناً على الاغتصاب الجماعي الممنهج للنساء بذريعة “تنقية الأنساب وتطهير العرق”.

أدلة العفو الدولية: 89 مقطعاً وثقت الرعب المطلق

وتأتي التحركات القضائية متطابقة مع تقرير أسود أصدرته منظمة العفو الدولية، والتي أكدت فيه ارتكاب الدعم السريع لجرائم قتل جماعي، واغتصاب واستعباد جنسي، واضطهاد عرقي في الفاشر، بناءً على تحليل 89 مقطع فيديو موثقاً من مصادر مفتوحة، وصور الأقمار الصناعية، وإفادات 208 من الناجين الذين نجوا من “أيام الرعب الثلاثة” التي تلت اقتحام المدينة.

وفي هذا الصدد، صرح المدير التنفيذي للفدرالية الدولية للحقوق والتنمية (IFRD)، جمال العطار، قائلاً: “إن النظام الإماراتي يغذي حالة الفوضى العارمة والقتل في السودان بهدف وحيد وهو نهب واستغلال موارده السيادية، والحصول على الذهب والصمغ العربي والمعادن، وبناء نفوذ مشبوه فوق جثث الأبرياء”. وأضاف العطار أن أبوظبي تستخدم فائض أموالها واستثماراتها للضغط على العواصم الغربية لشراء صمتها، مشدداً على أن تقديم هذه الشكوى يمثل المسمار الأول في نعش “الإفلات من العقاب” الذي ظن قادة الإمارات أنهم يشترونه بذهب السودان النازف.

اقرأ أيضًا : إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية: محرقة منظمة للمزارع والمركبات تحت حماية جيش الاحتلال