تغيير حجم الخط ع ع ع

تحل الذكري السابعة لمجزرتي رابعة العدوية وميدان نهضة مصر، في ظل تزايد مستمر لجرائم النظام العسكري بحق المعارضين علي اختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم الفكرية، حيث يقبع ما يزيد عن 60 ألف معتقل داخل سجون السيسي، مع ازدياد في معدلات الإخفاء القسري والتصفية الجسدية وغيرها من الانتهاكات والجرائم التي لم يحاسب النظام علي أي منها.

القتلة في القصر 

ورغم الإدانات الحقوقية الواسعة للمجزرة، وتحميل شخصيات بعينها المسئولية الجنائية عن المجزرة، إلا أنه وبعد سبع سنوات لا تزال هذه الشخصيات تحتل مواقع متقدمة في النظام المصري، وعلي رأسهم قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي والذي يعد المسئول الأول عن مجزرة رابعة وغيرها من المجازر التي تلتها.

وذكرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” في بيان لها نشرته على صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”، أنها دعت مرارا وتكرارا إلى فتح تحقيق دولي مستقل في مذبحة رابعة. كما دعت السلطات القضائية بالدول الأخرى إلى التحقيق فيها ومقاضاة المسؤولين عنها بموجب القوانين الوطنية لتلك الدول، بما يشمل المقاضاة على الانتهاكات المروعة من قبيل التعذيب الممنهج وقتل المتظاهرين خارج نطاق القضاء.

وأكدت المنظمة “أنه لم يخضع أي مسؤول حكومي أو أي من عناصر الأمن للتحقيق أو المقاضاة في مصر بتهمة ارتكاب انتهاكات في رابعة، وحُكم على الكثير من الناجين بالإعدام والسجن لفترات مطولة في محاكمات غير عادلة”.

وذكرت “هيومن رايتس ووتش” أنها وجدت في عديد القضايا أن السلطات المصرية لم تحترم ضمانات المحاكمة العادلة، وأن الإدانات كانت في معظمها مبنية على مزاعم عناصر وضباط الأمن بينما شحّت الأدلة.

وجاء بيان منظمة “هيومن رايتس ووتش” الدولية تعليقا على خبر رفع مواطن أمريكي أمضى نحو عامين في السجن في مصر دعوى مدنية في 1 حزيران (يونيو) الجاري ضد رئيس وزراء مصر الأسبق حازم الببلاوي في محكمة أمريكية.

ويتهم المدعي، محمد سلطان، الببلاوي ـ المقيم حاليا في الولايات المتحدة وهو مدير تنفيذي في “صندوق النقد الدولي” ـ بالمسؤولية عن محاولة إعدامه خارج نطاق القضاء وعن تعذيبه رهن الاحتجاز بالقاهرة، من 2013 إلى 2015.

وقالت بلقيس جراح، نائبة مدير برنامج العدالة الدولية في “هيومن رايتس ووتش”: “لم تحقق السلطات المصرية قط في وقائع القتل في رابعة أو ما تلاها من أعمال قمع، ما جعل عمليا العدالة خارج متناول الضحايا. هذه القضية بالمحاكم الأمريكية قد تمثل خطوة إلى الأمام على مسار تحديد ما حدث ومن المسؤولون عنه”.

وأضافت: “قضية سلطان تذكرنا بقوة بواحدة من أبشع الجرائم في تاريخ مصر الحديث، وبانعدام العدالة منذ وقوعها”.

وشغل الببلاوي منصب رئيس الوزراء في الحكومة الانتقالية من تموز (يوليو) 2013 إلى أن استقال في شباط (فبراير) 2014.

دعم خليجي متواصل

ولا يغيب عن الأذهان الموقف الخليجي الداعم للمجزرة ولجرائم السيسي في مصر بشكل عام، حيث تنوعت المشاركة الخليجية في الجريمة بين الصمت الرسمي أو التأييد المعلن للجريمة ما اعتبر قبولا وتأييدا لها، وتوفير الدعم المالي والتمويل اللامحدود للسلطة في مصر، فضلا عن الترويج الإعلامي عبر قنوات فضائية ممولة من خزائنها للحشد المضاد للمعتصمين، ودفع الدول الغربية للاعتراف بنظام «السيسي».

وسبقت المجزرة العديد من المواقف الخليجية من قبل دول السعودية والإمارات تؤيد بوضوح انقلاب «السيسي» وتؤكد دعمها له سياسيا وماليا، والحديث عن أن حكم الإخوان كاد أن يعصف بمصر وأمنها القومي.

فقد أصدرت وزارة الخارجية الإماراتية بيانا يوم فض الاعتصام قالت فيه إنها «تتفهم الإجراءات السيادية التي اتخذتها الحكومة المصرية».

بينما أكد الملك السعودي آن ذاك «عبد الله بن عبد العزيز آل سعود»، أن «السعودية شعبا وحكومة تقف مع مصر ضد ما وصفه بالإرهاب والضلال والفتنة” وفق زعمه، كما قام «عبد الله» بإرسال ثلاثة مستشفيات ميدانية كاملة الأطقم والمعدات للنظام المصري.

وعلي مستوي الدعم المالي أظهرت تسريبات بثتها قناة (مكملين) للمكالمات من مكتب «السيسي» الحجم الحقيقي لهذا الدعم، ‏ويظهر في التسريب أصوات مدير مكتب «السيسي» اللواء عباس كامل، ومساعد رئيس الأركان اللواء «أحمد عبد الحليم»، والمتحدث العسكري السابق، «أحمد علي»، وهم يناقشون حصيلة ما قدمته لهم دول خليجية من أموال.

وكان المقطع الأخطر في هذا التسريب عبارة عن حوار ثنائي بين «عبد الفتاح السيسي» وزير الدفاع في ذلك الحين، ومدير مكتبه اللواء «عباس كامل»، والذي تم خلاله استعراض المليارات التي أرسلتها السعودية والإمارات والكويت إلى مصر، عبر «خالد التويجري» رئيس الديوان الملكي السعودي في ذلك الحين، وهي المبالغ التي وصلت، إلى جوار الدعم البترولي، إلى 39 مليار دولار.

واستمر الدعم الخليجي لما بعد مجزرة رابعة، حيث جاء إعلان كل من الإمارات والكويت والسعودية خلال كلمات مندوبيها في مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادي بتقديم مساعدات بإجمالي 12 مليار دولار، بالإضافة إلى 500 مليون دولار أعلنتها سلطنة عمان للاستثمار في مصر.

وعلى الرغم منما تعانيه الإمارات والسعودية من أزمات اقتصادية إلا إنها مازالت تقدم دعما كبيرا للحكومة المصرية متمثلة في قروض وتسهيلات مالية على سداد شحنات المواد البترولية.

استمرار القمع

وبعد مرور سبع سنوات علي المجزرة، لا يزال النظام العسكري يعمل أدوات القتل والقمع بحق قطاعات واسعة من الشعب المصري دونما رادع، حيث يعمد النظام لفرض الصوت الواحد وتكميم الأفواه بزيادة حملات الاعتقال التعسفي وتصفية المعارضين بالإضافة لحبس الصحفيين وحجب وإغلاق الصحف والمواقع المعارضة.

وتعيش مصر منذ انقلاب الثالث من يوليو أوضاعا حقوقية بائسة، حيث أكدت منظمة العفو الدولية أن حقوق الإنسان في مصر شهد تدهوراً كارثياً وغير مسبوق، منذ ثورة 25 يناير، عبر تمرير القوانين القمعية، وفرض قيود خانقة على وسائل الإعلام، والمنظمات غير الحكومية، والأحزاب.

وأصدرت “كوميتي فور جستس” تقريرا شهريا خاصا حول ظاهرة الاعتقال التعسفي المتجدد في مصر، تحت عنوان “تدوير الاعتقال”، حللت من خلاله ظاهرة الاعتقال، ومحطاتها التاريخية عبر النظام القانوني والقضائي المصري، وتطور أساليب السلطات الأمنية في إعمال أدوات القمع، واستهداف المعارضين تنكيلا وعقابا

وعدّد التقرير القوانين والطرق القانونية التي تمكن من خلالها النظام المصري في تدوير اعتقال معارضيه، من خلال ترسانة من القوانين المكبلة للحريات، ويأتي على رأسها “قانون مكافحة الإرهاب”، كذلك استخدام النظام المصري للحبس الاحتياطي المطول كوسيلة للعقاب، واستخدام أحد أذرع النظام القضائي، وهي النيابة، كمحلل لاعتقال المعارضين متمثلة في “نيابة أمن الدولة العليا”، و”النيابة العسكرية”.

كما أعرب خبراء أمميون عن قلقهم البالغ بشأن الاعتقال والاحتجاز السابق للمحاكمة، من قبل الحكومة المصرية لنشطاء حقوقيين بارزين، وقادة نقابيين.

وفي مذكرة أرسلها الخبراء للحكومة المصرية، أبدوا فيها قلقهم البالغ من الاعتقالات والاحتجاز المطول قبل المحاكمة، وكذلك التهم المتعلقة بالإرهاب الموجهة ضد المدافعين عن حقوق الإنسان، والتي يبدو أنها مرتبطة مباشرة بالممارسة المشروعة لحقوق الإنسان الخاصة بهم، وعملهم للدفاع عن الإنسان.

كما أعرب الخبراء عن مخاوفهم الخطيرة فيما يتعلق بادعاءات الاعتداء الجسدي، التي قد تصل إلى حد المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، أو حتى التعذيب والإخفاء القسري، مبدين قلقهم في فشل إجراء تحقيقات فعالة في هذه الأحداث، وملاحقة ومعاقبة المسؤولين عنها.