نشر قسم التحقيقات في صحيفة «الغارديان» تحقيقاً موسعاً يتتبع صعود الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان من أمير شاب درس في الولايات المتحدة تحت اسم مستعار إلى واحد من أخطر مراكز القوة المالية والأمنية والتكنولوجية في العالم. لا يتناول التحقيق سيرة رجل أعمال إماراتي نجح في توسيع استثماراته، بل يكشف تشكل منظومة تداخلت داخلها أموال الدولة وثروة الأسرة الحاكمة وأجهزة الأمن وشركات المراقبة ومشروعات الذكاء الاصطناعي، حتى أصبح من الصعب تحديد أين تنتهي سلطة طحنون الرسمية وأين تبدأ مصالحه التجارية والعائلية.
تقدر قيمة الإمبراطورية الاقتصادية التي يشرف عليها طحنون بنحو 1.5 تريليون دولار، وهو رقم يقارب الناتج الاقتصادي السنوي لدول بحجم تركيا أو إندونيسيا. وتنتشر الأصول الواقعة تحت نفوذه من البنوك والمستشفيات والعقارات وشركات الطاقة والمرافق العامة إلى صناديق المناخ ومراكز البيانات وشركات الذكاء الاصطناعي، قبل أن تصل إلى استثمارات في مطاعم ريتشارد كارينغ وخط الملابس الداخلية الذي أسسته ريهانا ومشروعات فضائية في تكساس ومزارع رياح في اسكتلندا.
غير أن قيمة هذه الثروة وحدها لا تفسر خطورة الرجل. طحنون هو شقيق الرئيس الإماراتي محمد بن زايد، ومستشار الأمن الوطني منذ عام 2016، ونائب حاكم أبوظبي، ورئيس عدد من أكبر المؤسسات المالية والاستثمارية في البلاد. وهذا الجمع بين المال والأمن والسياسة الخارجية والتكنولوجيا يضع تحت إشراف شخص واحد أدوات تستطيع تمويل الحكومات، ومراقبة الخصوم، وشراء الشركات، والوصول إلى البيانات، والتفاوض مع البيت الأبيض، وإعادة تشكيل قطاعات اقتصادية كاملة.
تكشف هذه السلسلة، في أربعة أجزاء، كيف صنع طحنون قوته داخل أسرة آل نهيان، وكيف تحولت أجهزة الأمن في عهده إلى منظومة مراقبة عابرة للحدود استهدفت نشطاء وصحفيين وسياسيين، وكيف خرجت شركة «G42» من البيئة التي أنتجت «دارك ماتر» و«مشروع ريفن»، ثم كيف استخدم أمواله وعلاقاته مع دونالد ترامب وشركات التكنولوجيا الأمريكية للحصول على الرقائق والمنشآت التي يحتاج إليها مشروعه للهيمنة على البنية الأساسية للذكاء الاصطناعي.
الأمير الذي عاش باسم «بن»
تبدأ قصة طحنون التي رواها تحقيق «الغارديان» بعيداً عن القصور الإماراتية. ففي عام 1993 كان يدرس إدارة الأعمال في مدينة سان دييغو الأمريكية، ويقدم نفسه داخل أكاديمية لتعليم الجوجيتسو البرازيلي باسم «بن»، من دون أن يكشف لزملائه أنه ابن مؤسس دولة الإمارات الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.
جاء اهتمامه بهذه الرياضة بعد أن شاهد البرازيلي رويس غرايسي يهزم الهولندي جيرارد غوردو في نهائي أول بطولة لـ«يو إف سي»، رغم الفارق الكبير بينهما في الوزن والطول والخبرة. ترك المشهد أثراً عميقاً في الأمير الشاب، لأنه قدم له نموذجاً يقوم على إسقاط خصم أقوى باستخدام المعرفة والانضباط والسيطرة على نقاط الضعف بدلاً من مواجهته بقوة مماثلة.
كان طحنون يصل إلى التدريب مرتدياً سروالاً قصيراً وحذاءً خفيفاً، ويجلس في الزاوية ولا يتحدث كثيراً. اعتقد زميله كيد بيليغرو أنه خادم أو حارس شخصي للرجل الإنجليزي الثري الذي كان يصاحبه أحياناً. ويتذكر المنتج السينمائي والمهتم بالفنون القتالية بوبي رزاق أن التدريب في تلك الفترة كان قاسياً وغير منظم، وأن الإصابات والكسور كانت جزءاً منه، لكن المتدرب الغامض كان يتحمل الألم ويعود إلى الحصص.
بعد أكثر من عام، أخبر «بن» زملاءه بأنه سيعود إلى أبوظبي وسيصطحب معه مؤسس الأكاديمية نيلسون مونتيرو. بدأت الدعوات تصل إلى المدربين واللاعبين، وحصل بيليغرو وزوجته على تذكرتين من الدرجة الأولى بلغت قيمة كل منهما 24 ألف دولار. وعندما وصلا إلى الإمارات اكتشفا أن مركز التدريب الذي تحدث عنه صديقهما لم يكن نادياً عادياً، بل جزءاً من أحد قصور عائلته، وأن الرجل الذي تملأ صوره الشوارع والعملات هو والده.
هذه الواقعة المبكرة لا تفسر وحدها شخصية طحنون، لكنها تكشف أسلوباً سيظهر لاحقاً في أعماله وتحركاته الأمنية: إخفاء الهوية، دراسة البيئة من الداخل، بناء العلاقات بعيداً عن الأضواء، ثم استخدام موارد هائلة لم يكن المحيطون به يعرفون أنها متاحة له. وقد واصل ممارسة الجوجيتسو حتى حصل على الحزام الأسود، وحولها لاحقاً إلى جزء من المشروع الرياضي والثقافي للدولة.
أبناء فاطمة يصعدون إلى قمة الدولة
كان الشيخ زايد قد تزوج سبع مرات وأنجب ما لا يقل عن ثلاثين ابناً، لكن أبناء زوجته الثالثة فاطمة بنت مبارك الكتبي أصبحوا الكتلة الأكثر نفوذاً داخل الأسرة. عُرف هؤلاء باسم «بني فاطمة»، وتقدمهم محمد بن زايد الذي أصبح رئيساً للدولة، فيما توزع إخوته على مواقع عسكرية وأمنية واقتصادية شديدة الحساسية.
نشأ هؤلاء داخل تصور يضع الأسرة الحاكمة في مركز الدولة، ويعامل أمن آل نهيان باعتباره مرادفاً لأمن الإمارات نفسها. وقد عبرت والدتهم عن هذا المنظور حين وصفت الأسرة بأنها المدرسة الأولى للقيم والحارس الأصيل للهوية ومصدر الثقة والانتماء. لم يكن هذا خطاباً عائلياً مجرداً، بل أصبح أساساً لنظام سياسي يرى المعارضة تهديداً وجودياً، ولا يفصل بين استمرار الحكم واستقرار البلاد.
عندما عاد طحنون من الولايات المتحدة عام 1995، كانت السلطات قد بدأت حملة ضد جمعيات المجتمع المدني ذات التوجه الإسلامي وضد مراكز النفوذ المحلية التي لم تخضع بالكامل لأبوظبي. وفي الوقت نفسه، كانت القيادة تدرك أن الثروة النفطية وحدها لا تمنح دولة صغيرة النفوذ الذي تمتعت به جمهوريات عربية أكبر مثل مصر وسوريا.
لم يكن عرش أبوظبي مخصصاً لطحنون بصفته أخاً أصغر لمحمد بن زايد، فاختار له والده مساراً آخر. تولى إدارة الدائرة الخاصة للشيخ زايد، المسؤولة عن ممتلكاته الشخصية من القصور والمزارع والأراضي الخارجية، ومن بينها عقارات في ميدان بيركلي في لندن. منحته الوظيفة خبرة مبكرة في إدارة الحدود الضبابية بين أصول الحاكم وأموال الأسرة وموارد الدولة.
وفي أواخر تسعينيات القرن الماضي، أسس «رويال غروب»، التي أصبحت الأداة الاستثمارية الأساسية لمصالح عائلية واسعة، وتبلغ قيمة أصولها حالياً نحو 300 مليار دولار. وبعد وفاة الشيخ زايد عام 2004، ازداد نفوذ طحنون المالي، وأصبح قادراً على التحرك في مجالس المستثمرين في وول ستريت بالمرونة نفسها التي يتحرك بها داخل مجلس الحاكم في أبوظبي.
إمبراطورية لا يُعرف أين تبدأ الدولة داخلها
يرأس طحنون «القابضة ADQ»، وهي أداة استثمار استراتيجية لحكومة أبوظبي وتملك أصولاً في قطاعات الغذاء والطاقة والنقل والصحة والبنية الأساسية. كما يرأس بنك أبوظبي الأول، أكبر بنوك الإمارات، والشركة العالمية القابضة التي توسعت خلال سنوات قليلة إلى تكتل هائل، إضافة إلى «رويال غروب» وشركة «G42» وصندوقها الاستثماري المتخصص في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. ويرتبط اسمه كذلك بصندوق «ألتيرا» للمناخ الذي أُعلن باعتباره أكبر صندوق استثماري خاص للعمل المناخي.
هذا التركيز غير المسبوق للسلطة الاقتصادية يجعل التمييز بين ثلاثة أنواع من الأموال بالغ الصعوبة: الثروة الشخصية لطحنون، وأصول أسرة آل نهيان، والأموال السيادية التي يفترض نظرياً أنها ملك للمواطنين الإماراتيين. ويتعامل النظام مع هذا التداخل باعتباره أمراً طبيعياً، لأن ازدهار الأسرة يقدم رسمياً باعتباره ازدهاراً للدولة، لكن منتقدين يرون أن هذه الصيغة تسمح للحاكم وأقاربه بالتصرف في موارد عامة داخل شبكة لا تخضع لرقابة شعبية أو برلمانية مستقلة.
قالت الباحثة الإماراتية ميرة الحسين، المتخصصة في علم الاجتماع في جامعة إدنبرة، إن رجال أعمال إماراتيين يشكون سراً من قدرة طحنون على مزاحمتهم وإقصائهم من الأسواق، لأن الشركات الخاصة لا تستطيع منافسة كيان يجمع رأس المال السيادي والنفوذ السياسي والمعلومات والقدرة على تغيير البيئة التنظيمية. ويظهر ذلك بوضوح في قطاع الصحة، حيث تهيمن الصناديق السيادية والشركات المرتبطة بطحنون على مساحة واسعة من السوق.
قدمت الحسين تشبيهاً كاشفاً لطبيعة العلاقة بين الدولة والثروة، فقالت إن التصور السائد لدى بعض الإماراتيين يشبه البلاد بسفينة قد تغادرها الأسرة الحاكمة إذا بدأت في الغرق، آخذة معها الصناديق والاستثمارات والمحافظ المالية. يعكس هذا الخوف سؤالاً لا تسمح البيئة السياسية بطرحه علناً: هل تستخدم الثروة السيادية لبناء مؤسسات تحمي المجتمع، أم تُراكم داخل شبكة يمكن للأسرة أن تديرها باعتبارها امتداداً لملكيتها الخاصة؟
بوابات الوصول إلى الرجل الغامض
رغم اتساع نفوذه، لم يقدم طحنون مقابلة صحفية موضوعية تكشف أفكاره أو تجيب عن الأسئلة المتعلقة بإمبراطوريته. ويوقع العاملون المقربون منه اتفاقات صارمة تمنعهم من الإفصاح، بينما تحيط به دوائر من الوسطاء والحراس والعلاقات الشخصية تجعل الوصول إليه امتيازاً يحتاج إلى شهور أو سنوات من الاسترضاء.
تضم هذه الدوائر شخصيات سياسية واجتماعية متنوعة، من رئيس الوزراء اللبناني السابق سعد الحريري إلى ميليسا مونكادا، الفائزة سابقاً بلقب «ميس غلوب كولومبيا» والتي أصبحت رائدة أعمال في مجال اللياقة البدنية. ويستخدم الراغبون في لقاء طحنون الهدايا والرياضة والأصدقاء المشتركين لإثبات قيمتهم وقدرتهم على دخول عالمه.
كان الملياردير الأمريكي توم باراك، مؤسس «كولوني كابيتال» والذي أصبح لاحقاً سفير ترامب لدى تركيا، أحد هؤلاء. أرسل إلى طحنون نسخة نادرة من كتاب يعود إلى خمسينيات القرن الماضي عن تربية الخيول العربية، وعرض عليه لقاء الممثل روب لو، ثم شارك في رحلة دراجات شاقة عبر الصحراء المغربية نظمها الأمير مع محترفين، لكن طحنون سبقه بسرعة مضاعفة.
انتهت رحلة الاسترضاء بلقاء على يخت طحنون الذي تقدر قيمته بنحو 250 مليون دولار، ويضم ملهى ومنتجعاً صحياً وسينما ومطعماً للسوشي و27 غرفة للضيوف يخدمها طاقم دائم من ستين شخصاً. وقد شرح باراك لاحقاً، أثناء محاكمته عام 2022 بتهمة العمل بصورة غير قانونية لمصلحة الإمارات، سبب حرصه على لقاء طحنون، فوصفه بأنه أحد أكبر رجال الأعمال وأكثر الشخصيات نفوذاً وثراء في الشرق الأوسط. بُرئ باراك في نهاية المحاكمة من جميع التهم، لكن شهادته كشفت مكانة طحنون في أوساط الباحثين عن المال والنفوذ الإماراتيين.
عقلية اللاعب الذي يريد الفوز دائماً
لا يتعامل طحنون مع المال باعتباره وسيلة للاستهلاك فقط، بل باعتباره أداة لبناء تفوق تراكمي. في أواخر التسعينيات، بلغ هوسه بالفوز في لعبة «Age of Empires» حداً دفعه إلى استقدام أحد مطوريها لتدريبه. تقوم اللعبة على جمع الموارد وبناء الحضارات وإضعاف المنافسين، وهي فكرة تشبه إلى حد لافت النموذج الذي بنى به نفوذه الحقيقي.
انتقل اهتمامه بعد ذلك إلى الشطرنج، ومول تطوير حاسوب ضخم أُطلق عليه اسم «هيدرا»، أصبح واحداً من أقوى لاعبي الشطرنج الآليين واستطاع هزيمة عدد من الأساتذة الكبار. لم يكن الجهاز متاحاً للجمهور، وكان مستخدمه الأساسي لساعات طويلة هو طحنون نفسه، حتى وصفه كبير مهندسي المشروع عام 2005 بأنه أشد المهووسين بالشطرنج الحاسوبي في العالم.
جمع الأمير بين عقلية لاعب يراكم المواقع قبل توجيه الضربة، ومستثمر يستطيع شراء الموارد التي يحتاج إليها، ومسؤول أمني يمتلك أجهزة الدولة. وقد ظهرت نتائج هذا الخليط بعد صعوده في هيكل الأمن الإماراتي، أولاً نائباً لمستشار الأمن الوطني عام 2014، ثم مستشاراً للأمن الوطني عام 2016 يتبع مباشرة لرئيس المجلس الأعلى للأمن الوطني.
منذ ذلك الوقت لم يعد طحنون مجرد مدير ثروة الأسرة، بل أصبح الرجل الذي يربط الأموال بالأجهزة الأمنية والسياسة الخارجية. شارك في الملفات الدبلوماسية الأكثر حساسية، ومنها تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وأشرف على مرحلة توسعت فيها أدوات المراقبة الإلكترونية والاختراق الرقمي، قبل أن تتحول الخبرات والكوادر نفسها إلى نواة مشروع الذكاء الاصطناعي الإماراتي.
في الجزء الثاني من هذه السلسلة، نتتبع الوجه الأمني لإمبراطورية طحنون: كيف تحول «مشروع ريفن» من برنامج قُدم باعتباره جزءاً من مكافحة الإرهاب إلى شبكة تجسس استهدفت معارضين وصحفيين ومحامين وسياسيين، وكيف تعرض الأكاديمي البريطاني ماثيو هيدجز للاعتقال والحبس الانفرادي والحكم المؤبد، وكيف انتهى الناشط الإماراتي أحمد منصور داخل زنزانة معزولة بعدما أنفقت الدولة ملايين الدولارات لاختراق حياته الخاصة.