تتفاقم الأزمة الإنسانية في السودان وتتخذ منحنيات مأساوية كارثية مع استمرار موجات النزوح القسري الحاشدة نحو مدينتي “الأبيض” و”الدمازين”، حيث يواجه مئات الآلاف من الفارين من جحيم الحرب ظروفاً معيشية وصحية بالغة التعقيد، تتزامن مع شح حاد في الغذاء والماء، وتحت وطأة التهديدات والأوبئة التي يفرضها فصل الخريف داخل المخيمات المتهالكة التي تفتقر لأدنى مقومات الحياة البشرية.

وفي رصد ميداني للمشهد المروع بوأد ولاية شمال كردفان، كشف مفوض العون الإنساني بالولاية، محمد إسماعيل، أن مدينة الأبيض وحدها استقبلت ما يزيد على 55 ألف نازح جديد، مؤكداً أن حركة التدفق البشري لا تزال مستمرة وتتوافد بكثافة من مناطق جنوب وغرب كردفان باتجاه المدينة، جراء المجازر وحملات التنكيل الممنهجة التي تشنها ميليشا الدعم السريع المتمردة.

مخيمات النيل الأزرق: طوابير المياه وسط الثعابين والأوبئة

وعلى الجانب الآخر من المعاناة، نقلت مصادر ميدانية وإعلامية صورة حية وقاسية للأوضاع من داخل مخيمات النزوح في مدينة الدمازين عاصمة إقليم النيل الأزرق (جنوب شرقي السودان)، والذي يحتضن عشرات الآلاف من الفارين الذين وصلوا إلى العاصمة قادمين من حواضر وبلدات الكرمك وقيسان وبلو ورورو بعد توغل المتمردين فيها.

ومن داخل مخيم “الكرامة 6” ــ الذي يأوي وحده نحو 29 ألف أسرة مكلومة ــ يعيش النازحون وضعاً مأساوياً يتلخص في:

  • شح المياه والغذاء: اصطفاف آلاف الأواني الفارغة في طوابير ممتدة لساعات طويلة بحثاً عن قطرة ماء شرب نظيفة، مع انعدام كامل للكساء والخيام المأوية.
  • كوابيس فصل الخريف: تضاعفت المخاطر الإنسانية مع دخول موسم الأمطار، الذي حوّل المخيمات إلى برك للمياه الآسنة، مهدداً حياة الأطفال بانتشار الحشرات السامة، والثعابين، والعقارب، ناهيك عن تفشي الأوبئة الفتاكة.

وفي السياق ذاته، أطلقت شبكة أطباء السودان تحذيراً عاجلاً من تدهور حاد ومتسارع في الأوضاع الصحية بمناطق غربي بارا بولاية شمال كردفان، مؤكدة أن أكثر من 200 ألف شخص، بينهم ما يزيد على 20 ألف طفل، يواجهون هلاكاً محتماً نتيجة النقص الحاد في الغذاء والدواء، وتفشي وباءي الكوليرا والحصبة القاتلين.

سلاح التجويع والحصار: إجرام ميليشيا الإمارات يطحن المدنيين

وأكد مراقبون للشأن الإفريقي أن هذه المأساة الصامتة وحرب التهجير والاضطهاد ليست نتاج ظروف طبيعية، بل هي السهم المسموم الموجه لصدور السودانيين عبر إجرام ميليشيا الإمارات (الدعم السريع) التي تستخدم الحصار والتجويع كأدوات حرب لتركيع الحواضر السودانية.

وتفرض هذه الميليشيا المتمردة، الممولة والمسلحة بشكل مباشر من دولة الإمارات العربية المتحدة، حصاراً خانقاً على مدينة الأبيض وإقليم كردفان، وتستهدف قوافل الإغاثة وتمنع وصول المساعدات الطبية والإنسانية الأممية للأهالي. ويأتي هذا الإجرام اللوجستي المدعوم بأموال وسلاح أبوظبي ليعمق الكارثة الإنسانية الأسوأ عالمياً لعام 2026، والتي خلفت حتى الآن عشرات آلاف الضحايا ودمرت البنية التحتية، وشردت نحو 13 مليون نازح ولاجئ سوداني باتوا يفترشون الأرض ويلتحفون السماء وسط تجاهل دولي مريب وصمت على جرائم عرّابي الفوضى في المنطقة.

اقرأ أيضًا : إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية: محرقة منظمة للمزارع والمركبات تحت حماية جيش الاحتلال