تغيير حجم الخط ع ع ع

 

حذر الكاتب جان بيير فيلو، المؤرخ وأستاذ دراسات الشرق الأوسط في معهد الدراسات السياسية وكلية باريس للشؤون الدولية، من خطر اندلاع حرب بين المغرب والجزائر، في ظل التوتر غير المسبوق بين البلدين الذي قد يتصاعد في العام الجديد حال وقوع حادث لا يمكن السيطرة عليه، بالرغم من عدم رغبة أي من الطرفين الدخول في صراع مفتوح.

وقال في مقال له بصحيفة “لوموند” الفرنسية: في الماضي اندلعت نزاعات كثيرة بسبب أحداث صغيرة، في ظل غياب آلية للحوار وألية للوساطة بين طرفين، لا يريد أحد منهما انطلاق المواجهة المباشرة. 

ولفت إلى أن قطع الجزائر علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب في أغسطس/ أيلول الماضي، لم يحرم الدولتين فقط من قناة اتصال ضرورية، بل تبعه حظر مرور الطائرات المغربية فوق المجال الجوي للجزائر، في ظل إغلاق الحدود بين البلدين منذ 1994.

وأوضح أن هذه الإجراءات أدت إلى تصعيد حملات الاتهامات المتبادلة، والتي تضخمها عبر شبكات التواصل الاجتماعي، منوهًا بأنه في مثل هذا المناخ الضار، من المرجح أن يتحول الخلاف المحلي إلى أزمة خطيرة، حتى لو لم ترغب الجزائر ولا الرباط في مواجهة ستكون كارثية من جميع النواحي.

 

قضية الصحراء الغربية

وذكر المؤرخ الفرنسي بأن المجتمع الدولي، منذ عام 1976، أثبت أنه غير قادر على تسوية مسألة المستعمرة الإسبانية السابقة للصحراء الغربية، التي تدعي الرباط أنها “مغربية” وتسيطر على 80٪ من أراضيها، في مواجهة استقلال ميليشيات البوليساريو، المدعومة من قبل الجزائر.

لدرجة أن منصب المبعوث الخاص للأمم المتحدة بشأن هذه القضية، يواصل فيلو، ظل شاغرًا منذ عامين، تميزا، خاصة في نوفمبر/ تشرين ثاني 2020، بخرق وقف إطلاق النار الذي كان سائدًا منذ عام 1991 بين المغرب وجبهة البوليساريو.

ثم حصلت الرباط من إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، في ديسمبر/ كانون أول 2020، على اعتراف بـ “مغربية” الصحراء، مقابل تطبيع العلاقات مع إسرائيل، إضافة إلى أن الإمارات العربية المتحدة، التي وقعت للتو معاهدة سلام “ساخنة” مع إسرائيل، شجعت الموقف العدواني للمغرب.

فالآن، وبينما تمتلك الجزائر أول ميزانية عسكرية في القارة الأفريقية، قُدرت عام 2020 بنحو عشرة مليارات دولار، يمكن للمغرب أن يتجاوزها بحلول 2022 بمبلغ 12.8 مليار دولار.

وأشار جان بيير فيلو إلى زيارة وزير الدفاع الإسرائيلي إلى الرباط الشهر الماضي، وتوقيع اتفاق تعاون عسكري غير مسبوق، حيث تعتبر الجزائر نفسها مستهدفة بشكل مباشر من مثل هذا التقارب الاستراتيجي، بسبب دعمها لجبهة البوليساريو والقضية الفلسطينية. 

وقد علقت الصحافة المحلية على الزيارة الأخيرة التي قام بها رئيس السلطة الفلسطينية للجزائر بالقول “الجزائر ترد على الضربة” من خلال “مد البساط الأحمر لمحمود عباس، بينما إسرائيل تستعرض قوتها في الرباط”.

وأصبح المغرب متهمًا بـ “فتح نافذة لصالح الكيان الصهيوني الذي يطمح إلى نقل الصراع من الشرق الأوسط إلى شمال إفريقيا”، كما يشكك القادة الجزائريون في رضا الولايات المتحدة والدول الأوروبية على الرباط. 

ولن يؤدي ذلك إلا إلى دفعهم أكثر قليلاً إلى أحضان روسيا، شريكهم العسكري الأول، وإلى حد بعيد، عندما لم يدخر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دعمه للجنرالات الجزائريين في مواجهة الاحتجاج الشعبي ضد الحراك.

 

فجوة متزايدة

يعمق مثل هذا الاستقطاب الجيوسياسي الفجوة المتزايدة على ما يبدو بين الرأي العام في البلدين، فذات يوم ترفع الأصوات في المغرب مطالبة بانسحاب ممثلة بلادهم في مسابقة ملكة جمال الكون بسبب جدتها الجزائرية، ويوم آخر يرفع لاعبو كرة القدم الجزائريون العلم الفلسطيني بعد فوزهم على المغرب بكأس العرب.

إلى جانب هذه الحكايات الساخرة، فإن ادعاء “مغربية” الصحراء يتشاطره الغالبية العظمى من المغاربة، حتى بين معارضي الملك، بينما يشعر جزء كبير من الجزائريين، بما في ذلك داخل معسكر المحتجين، بقلق بالغ إزاء التقارب بين المغرب وإسرائيل، وحتى حول دعم الرباط لحق “تقرير المصير” في منطقة القبايل.

ويؤكد الكاتب الفرنسي أن هذه الاتهامات التي يتم تبادلها من قبل الجزائريين والمغاربة تصل أحيانًا إلى ضراوة كبيرة على الشبكات الاجتماعية، وهي عوامل طبيعية لمثل هذه التجاوزات، إذ يُخشى أن يعتمد النظامان بالتالي على الشعور بالوحدة الوطنية في حالة الصراع بينهما.

ويرى جان بيير فيلو أن وقوع حادث محدود حيث سيتهم كل طرف الآخر بالعدوان الصريح بإمكانه أن يتصاعد في مثل هذا السياق المتدهور وسبق أن اتهمت الرئاسة الجزائرية في شهر نوفمبر/ تشرين ثاني الماضي القوات المغربية بـ “اغتيال ثلاثة جزائريين في “قصف لشاحناتهم التي كانت تؤمن الربط بين موريتانيا وجنوب الجزائر. 

ورد المغرب بالقول إن هذه الشاحنات تعرضت للقصف في منطقة عبور عسكرية لجبهة البوليساريو وقالت الرباط “إذا كانت الجزائر تريد الحرب، فإن المغرب لا يريد ذلك”. وساد ضبط النفس في النهاية، لكن الأزمة لم تخلق قناة اتصال مخصصة لتجنب مثل هذه الحوادث.

وأكد أن الافتقار إلى الحوار بين الجزائر العاصمة والرباط هو أكبر تهديد في غياب التبادل المباشر بين البلدين وسيكون أي نوع من الوساطة موضع ترحيب لتجنب التصعيد الذي لا يريده أحد بين الدولتين وشعبين يجمعهما الكثير.

 

للاطلاع على النص الأصلي من المصدر اضغط هنا