في مشهد يعكس عمق الأزمة الحقوقية في مصر، أحالت نيابة أمن الدولة العليا رسّام الكاريكاتير والمترجم أشرف عمر إلى محكمة الجنايات، متهمةً إياه بـ”مشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أهدافها”، في القضية رقم 1568 لسنة 2024. الاتهام الجديد، الذي نُقل عن محاميه الحقوقي خالد علي، يأتي ليُضاف إلى سلسلة طويلة من الملاحقات التي تطال النشطاء والصحفيين والمبدعين تحت لافتة “مكافحة الإرهاب”، وهي اللافتة ذاتها التي تحوّلت، طيلة عقد حكم السيسي، إلى مظلة تُشرعن انتهاكات واسعة ضد الأصوات المعارضة.

زوجة عمر، ندى مغيث، كشفت أن إحالة زوجها جاءت “بالصدفة” خلال زيارتها له في سجن العاشر من رمضان صباح السبت. وأوضحت أن عمر نُقل من محبسه في 18 من الشهر الجاري إلى نيابة القاهرة الجديدة دون إخطار مسبق، سواء له أو لفريق دفاعه، ليُفاجأ بإعلان قرار الإحالة مع آخرين، دون تمكينه من الاطلاع على ملف الاتهامات أو معرفة طبيعتها الكاملة. هذا الأسلوب، الذي بات معتاداً في التعامل مع المعتقلين السياسيين، يعكس ما تصفه المنظمات الحقوقية بأنه “إدارة للعدالة من خلف ستار”، حيث تفتقد الإجراءات للحد الأدنى من الشفافية والضمانات القانونية.

اعتقال وإخفاء قسري.. ثم اتهامات بلا أدلّة

اعتُقل أشرف عمر في يوليو/ تموز 2023، وظل مختفياً قسرياً لأكثر من يومين، لم تستطع أسرته ومحاموه خلالهما معرفة مكان احتجازه. بعدها ظهر أمام نيابة أمن الدولة، التي وجهت له عدداً من الاتهامات التقليدية: “نشر وإذاعة أخبار كاذبة”، و”إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي”، و”الانضمام لجماعة أسست على خلاف أحكام القانون”. ورغم خطورة هذه الاتهامات، لم تقدّم النيابة–كما هو معتاد– أي أدلة أو قرائن ملموسة، باستثناء محاضر الأجهزة الأمنية التي تُعامل باعتبارها “أدلة دامغة” في قضايا الرأي.

منظمات حقوقية عديدة–محلية ودولية–كانت قد وثّقت أن هذه التهم أصبحت سلاحاً جاهزاً تستخدمه السلطات المصرية ضد فئات واسعة من الصحفيين والباحثين والمبدعين. ووفق بيانات حقوقية، فإن استمرار تدوير المتهمين على قضايا جديدة بمجرد اقتراب موعد الإفراج عنهم بات ممارسة منهجية، وهو ما حدث مع عشرات المعتقلين منذ 2014، في إطار ما يصفه المعارضون بـ”سياسة السيسي في التنكيل بالمعارضين وكسر الروح العامة للمجتمع”.

التمديد المتكرر للحبس الاحتياطي.. أداة عقاب لا إجراء قانوني

مطلع الشهر الجاري، دانت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية استمرار حبس أشرف عمر، بعد قرار غرفة المشورة في مجمع بدر الأمني بتمديد حبسه 45 يوماً على ذمة القضية ذاتها. ويشير حقوقيون إلى أن استخدام الحبس الاحتياطي كعقوبة فعلية وليس كإجراء استثنائي بات من سمات العدالة في مصر، حيث يقبع المئات خلف القضبان لسنوات دون محاكمة فعلية.

تقرير سابق للمبادرة المصرية أوضح أن “تمديد الحبس الاحتياطي بصورة نمطية يمثل التفافاً ممنهجاً على نصوص القانون والدستور، ويحوّل الحبس الاحتياطي إلى عقوبة دون حكم قضائي”. وقد شملت هذه السياسة صحفيين بارزين، ومدونين، وحقوقيين، إلى جانب شخصيات ثقافية مثل رسّامي الكاريكاتير الذين يُفترض أنهم يمارسون عملاً فنياً لا يندرج ضمن أي نشاط مجرّم.

قلق أممي واسع.. وإدانة لتجريم التعبير السياسي

لم يمر ملف أشرف عمر بصمت على المستوى الدولي. فقد أعرب 13 مقرراً من مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة عن “بالغ القلق” إزاء استمرار حبسه، وطالبوا بالإفراج الفوري عنه. وذكر بيانهم أن “تجريم التعبير السياسي في مصر تحت ذريعة الأمن القومي ومكافحة الإرهاب أصبح ممارسة مثيرة للقلق الشديد”. البيان حمَل توقيعات أسماء من أبرز آليات الأمم المتحدة: المقررة الخاصة بالحقوق الثقافية، المقرر الخاص بمكافحة الإرهاب، المقررة الخاصة بحرية الرأي والتعبير، والفريقين المعنيين بالاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري.

الخبراء الأمميون أكدوا أن الممارسات المصرية “تقوّض الحقوق الثقافية والفكرية، وتحوّل المجال العام إلى مساحة شديدة القمع”، معتبرين أن استمرار الحبس، رغم غياب الأدلة، يشير إلى أن القضية ذات طابع سياسي لا جنائي.

رسالة للنخب المثقفة: لا أحد في مأمن

قضية أشرف عمر تحمل دلالات تتجاوز شخصه. فهي رسالة واضحة بأن النخب المثقفة والفنية ليست خارج دائرة القمع، وأن ممارسة الفن أو الترجمة أو النقد الساخر يمكن أن يُدرج تحت تهم الإرهاب في أي وقت. ففي السنوات الأخيرة، لم ينجُ رسامو الكاريكاتير، ولا المدونون، ولا حتى الباحثون الأكاديميون من الاتهامات الجاهزة التي تجمع بين “نشر أخبار كاذبة” و”الانضمام لجماعة إرهابية”.

ويقول مراقبون إن السلطة المصرية ترى في الفن الساخر–خصوصاً الكاريكاتير–تهديداً مضاعفاً، لأنه يكسر الرواية الرسمية بلغة بسيطة تصل للجمهور، وتستطيع فضح الفساد والاستبداد بطريقة مباشرة. لذلك، يرى محللون أن استهداف رسام كاريكاتير ليس مجرد “إجراء قضائي”، بل خطوة تهدف إلى ترهيب المجال الثقافي بأكمله.

خاتمة: حلقة جديدة في مسلسل القمع

بهذه الإحالة الجديدة، تُضاف قضية أشرف عمر إلى سلسلة ممتدة من القضايا التي تجسّد نهجاً واضحاً في إدارة الدولة المصرية للمجال العام منذ 2014: قمع الأصوات المستقلة، وتجريم النقد، وتوظيف القضاء الاستثنائي في التنكيل بالمعارضين. ورغم الإدانات الحقوقية والدولية، تواصل السلطات المصرية الاعتماد على استراتيجية تقوم على “الردع المسبق”، بحيث يتم إخراس المجال العام كله عبر ضرب أحد أبرز رموزه بين الحين والآخر.

وتبقى قضية أشرف عمر شاهداً على ما آل إليه وضع حرية التعبير في مصر، في دولة بات فيها الرسم جريمة، والكلمة تهديداً، والفن تهمة قد تكلف صاحبها سنوات من السجن.

اقرأ أيضا : زوجة جاسم الشامسي تطلق نداءً عاجلاً: “أخشى تسليمه للإمارات”