تغيير حجم الخط ع ع ع

تنتقد نخب المعارضة المصرية “المدنية” المتواجدة في الخارج، ركود الشعب المصري وعدم تحركه للثورة على الواقع المرير الذي يعيشه بسبب ممارسات النظام الحالي، بل وتحاول تلك النخبة حالياً إلقاء كل اللوم على الشعب المصري وتحميله مسؤولية وتبعات استمرار ذلك النظام، الذي جاء بالدبابات، وقام بسجن آلاف المعارضين وسفك دماء آلاف آخرين، ووصل للحكم بانتخابات هلل لها شريحة من الشعب المصري وقاموا بالرقص أمام اللجان الانتخابية الفارغة فرحين بتواجد ذلك النظام.

 

المعارضون بالخارج يرون أن الشعب قد باع كرامته لدعم طاغية في مقابل وجبة أو قليل من المال، وأنهم بذلك خسروا ثورتهم التي قامت قبل ثمان سنوات، وسلموا البلاد لطاغية يعيث فيها فساداً، إلا أن هذه الاتهامات تنم عن افتقار تلك النخب إلى معرفة طبيعة الشعب المصري الذين يتحدثون بالنيابة عنه.

 

في الواقع، لقد أغفلت تلك النخب عدة أمور متعلقة بطبيعة ونفسية الشعب المصري، وهي:

 

 أولاً:

يتم انتقاد الشعب المصري عند عدم مشاركته في أي دعوة للثورة على النظام والوضع الحالي، ناسين أو متناسين أن الشعب المصري نفسه هو من قام بالتمرد على نظام مبارك وقام بثورة عظيمة أنتجت حكومة ديموقراطية محترمة، ورئيسياً مدنياً منتخباً، ومجلسي شعب وشورى، ودستور متوازن.

لقد كانت ثورة مصر نموذجاً خاصاً، تميزت بحركتها المختلفة وجوانبها السياسية المتنوعة، وكان هذا حتى حدث انقلاب ضدها، واُرتكبت سلسلة من المذابح المروعة، لم يسبق لها مثيل في تاريخ مصر الحديث، ليكتمل الانقلاب بقيام بتشكيل حكومة جديدة تخلصت من الرئيس الشرعي المنتخب.

 

ثانياً:

تُعتبر النخب المدنية أساسًا للارتباك الذي أصاب الثورة، وساهم في تضليل ضمير الشعب، لقد قامت تلك النخب بالدعوة للمبادئ في ثورة يناير 2011 ثم قامت نفسها بالدعوة ضدها في يونيو 2013، مما تسبب فيما يسمى بـ “صدمة المعرفة” للناس في الشوارع.

لقد تناقضت تصرفات تلك النخب مع كل شعار قاموا بالترويج له، فكيف سيفهم الجمهور معنى الثورة وأهدافها إذا لم يحافظ روادها على معاني المصطلحات الحقيقية؟ كيف سيتمسكون بمبادئهم عندما يرون أن رموز ثورتهم تخلف وعودهم؟

 

ثالثاً:

تجاهلت النخب العقل الجماعي المخفي في اللاوعي المصري، فالمصريون غريزياً يؤمنون بأن “القوة تغلب الشجاعة”، وأن الكلمة الأولى هي للسلاح، وأن الجيش كذلك ليس لطيفًا ولا طيب القلب كما يبدو، بناءً على تجاربهم السابقة معه، وعليه كان هذا هو السبب وراء تراجعهم بعد أن كسرت الطائرات حاجز الصوت فوق رؤوسهم خلال ثورة يناير وما بعدها، من مذابح، وكان آخرها مذبحتي رابعة والنهضة.

كذلك فإن الشعب قد أصيب بخيبة أمل بعد ثورة يناير حين أدرك أن الجيش استخدمهم كوسيلة للإطاحة بمبارك، وأصبح الشعب يرى أن الثورة لا تعد من حقوقهم، وأن البلاد لا زالت تحت سيطرة النظام الذي خرجوا للإطاحة به، لذلك قرروا خفض خسائرهم والتراجع، وأصبحوا لا يؤمنون إلا بالمثل القائل “لا يفل الحديد إلا الحديد”، وبالتالي ينتظرون انقلابًا داخليًا داخل الجيش.

 

رابعاً:

لا تزال النخب تروج للنظريات الوهمية ولا تريد أن تكون صادقة مع الناس وتتحدث معهم بشكل واقعي، فالنخب النخب أن يتوصل الجمهور إلى حلول، بينما ينتظر الجمهور النخب لقيادتها.

 

خامساً:

قام الجيش بقتل فخر الشعب بنفسه وسحق طموحاته، لتمتلئ مواقع التواصل الاجتماعي بمصريين يسخرون من أنفسهم، وثوراتهم، وحتى نجاحاتهم، وهي الروح التي سربها النظام من خلال وسائل الإعلام الموالية له، وفي المقابل لم تقم النخب بإصلاح هذا التناقض من خلال التعليم ورفع مستوى الوعي، ولكنها انضمت بدلاً من ذلك إلى السخرية.

 

سادساً:

المعاملة المهينة وغير الآدمية التي يُعامل بها قادة الثورة في السجون، أو المعارضون جميعاً، وكذلك قيام النظام بتصوير بعض أيقونات ثورة يناير على أنهم مرض عقليون، ومدمنون للمخدرات، ونشرهم صور فاضحة لهم، كل هذا بعث برسائل كارثية إلى المصريين، مفادها، هذا هو مصير من يثور.

 

سابعاً:

الانهيار والتراجع في البنية التحتية السياسية للنخبة المصرية بسبب الانقلاب جعل تلك النخب لا تجتمع على هدف واحد، فكل مجموعة تخشى أن تتولى المجموعة الأخرى الثورة، لذلك نجد أنه عندما تقترب بعض النخب الأكثر شعبية من القيادة، فإن النخب الأخرى تقوم بعرقلتها بصورة تجعل مستويات شعبيتها لا تسمح لها بتولي زمام الأمور.

 

ثامناً:

لم تقوم النخب بالدور المطلوب منها في زيادة الوعي وتثقيف الجمهور بالثورات لحمايتهم من التضليل المنهجي للنظام الذي قاده الانقلاب.

 

تاسعاً:

لم تفرق النخب بين طبيعة الثورات في العالم وبين ثورات الربيع العربي، فالمصريون أمة إسلامية حنونة، ترفض سفك الدماء وتخشى ذلك، لذلك نجد أن الشعب المصري على استعداد للتحلي بالصبر وتحمل مشقة الوضع الحالي في مقابل عدم التسبب في إراقة مزيد من الدماء.

باختصار، يعد القفز على الأحداث ومحاولة الزج بالشعب للثورة بالقوة عن طريق تخويفهم وإحداث ثورة تمحو الأحداث التي وقعت في الفترة من 2012 إلى 2019 بمثابة قبول ضمني للانقلاب.

في المقابل، إن الدراسة الموضوعية لما حدث خلال ثورة يناير، وأسباب الانقلاب، وفترة حكم الرئيس الشرعي، بعيداً عن المبالغة والتضليل، هي مفتاح تصحيح المسار، وأي طريقة أخرى لن تكون سوى استبدال انقلاب بانقلاب آخر.

إن قلة الوعي لدى شريحة كبيرة من الشعب المصري، سببها تعاقب ديكتاتوريين، عملوا بجد لإبقاء الشعب جاهل وغير مدرك لعقود، وعندما استيقظ الناس من سباتهم، بذل الديكتاتوريون جهودًا أكبر لتضليلهم وقمعه.

الشعب المصري ليس “ملاحظة جانبية” على هامش ثورات الربيع العربي، بل كان أول من يكتب “ملاحظاته” السياسية، ولا يجب أن حكم على الشعب المصري بسبب القلة التي خرجت إلى الشارع للقيام بانقلاب ضد ثورتهم أو بسبب أولئك الذين ساندوا القاتل الذي سيطر على جميع جوانب الدولة، فسيأتي يوم وسيعرف من يشكك في قدرات الشعب المصري أن هذه الأمة مطوية تحت تهديد الأسلحة، وأي قول آخر هو بمثابة تزوير في التاريخ وتقليل من حق الشعب المصري.

 

للاطلاع على النص الأصلي من المصدر اضغط هنا