في بلد شهد ثورتين: الأولى على الاستعمار الفرنسي في منتصف القرن العشرين، والثانية ضد الاستبداد عام 2011، يقف الاتحاد العام التونسي للشغل اليوم في مواجهة عاصفة سياسية جديدة يقودها الرئيس قيس سعيد.
السؤال الذي بات يتردد في الأوساط التونسية والدولية: هل يتمكن الاتحاد، أعرق النقابات العمالية في البلاد، من الصمود أمام محاولات السلطة الحاكمة لإضعافه وتقليم أظافره؟

جذور المواجهة: نقابة تاريخية في قلب المعركة
الاتحاد العام التونسي للشغل ليس مجرد نقابة عمالية؛ بل مؤسسة وطنية ذات تاريخ ممتد يقترب من ثمانية عقود. منذ تأسيسه لعب الاتحاد دوراً مركزياً في استقلال تونس عام 1956، حيث نظم الإضرابات وقاد حراكاً واسعاً ضد الاحتلال الفرنسي. وفي 2011، كان حضوره في الشارع التونسي عاملاً مفصلياً في إنجاح ثورة الياسمين وإسقاط نظام زين العابدين بن علي.
اليوم، يمثل الاتحاد نحو مليون عامل تونسي، ما يجعله قوة اجتماعية وسياسية هائلة، قادرة على تعطيل عجلة الدولة بشلّ قطاعات أساسية عبر الإضرابات. هذا الوزن جعل الرئيس قيس سعيد ينظر إليه بوصفه “آخر حصن للمقاومة” أمام مشروعه السلطوي الذي بدأ منذ استيلائه على السلطة في يوليو/تموز 2021، حين حل البرلمان، وأدار البلاد بالمراسيم، وأقصى قضاة، واعتقل معارضين، متهماً إياهم بالإرهاب.
لحظة الانفجار: مظاهرة العاصمة ورسائل الطبوبي
ذروة التوتر تجلت مؤخراً في مظاهرة بالعاصمة تونس حضرها ما يقارب 3,500 شخص، دعا إليها الاتحاد رفضاً لما وصفه رئيسه نور الدين الطبوبي بـ”انهيار الحياة السياسية والمدنية”. كلمات الطبوبي تعكس إحساساً متزايداً لدى النقابيين والمعارضين بأن سعيد يسعى إلى تفريغ الساحة السياسية من أي صوت مستقل.
سبق ذلك اتهامات وجهها الاتحاد إلى أنصار الرئيس بمحاولة اقتحام مقره في أغسطس الماضي، عقب إضراب وطني في قطاع النقل استمر ثلاثة أيام وأدى إلى شلل واسع. ورغم أن سعيد دافع عن المظاهرات المناهضة للاتحاد، إلا أن رسالته كانت واضحة: “ملفات يجب فتحها لأن الشعب يطالب بالمحاسبة”. هنا يظهر بجلاء سعيه إلى تقويض صورة الاتحاد كحامٍ للحقوق، عبر تصويره كجسم فاسد يبدد أموال الشعب.
تكتيكات السلطة: ضرب من الداخل وإضعاف القاعدة
في السنوات الأخيرة، واجه الاتحاد صعوبات داخلية أضعفت موقفه أمام السلطة. ففي 2021، ألغى شرط الحد الأقصى لولايتين على قيادة الاتحاد، ما فجر خلافات بين الأعضاء ودفع البعض للمطالبة باستقالة الطبوبي. كما أن سلسلة الإضرابات التي نفذها الاتحاد هذا العام، رغم عدالتها من وجهة نظر العمال، أثارت غضب شرائح من المواطنين الذين تضررت أعمالهم في ظل الأزمة الاقتصادية العميقة التي تضرب تونس.
استغل سعيد هذه الانقسامات ودعم نقابات منافسة صغيرة، في محاولة لتقليص نفوذ الاتحاد. والأهم أنه ألغى مؤخراً الإجازة النقابية لموظفي القطاع العام، وهي امتياز سمح لعشرات الآلاف من النقابيين بالعمل في الشأن النقابي براتب كامل. القرار ليس مجرد إجراء إداري، بل سلاح مباشر لتقليص قدرة الاتحاد على الحشد والتعبئة، بما أنه سيجبر آلاف النقابيين على العودة إلى وظائفهم الأصلية بدل ممارسة النشاط النقابي.
صورة أكبر: قمع شامل يضرب المجال العام
هجوم قيس سعيد على اتحاد الشغل ليس معزولاً، بل يأتي في سياق أوسع من قمع شامل استهدف الأحزاب السياسية، القضاء، الإعلام، وحتى منظمات المجتمع المدني. منذ 2021، بنى سعيد حكمه الفردي على إقصاء كل من يمكن أن يحد من نفوذه. البرلمان تم حله واستبدل بدستور جديد يمنحه صلاحيات شبه مطلقة. القضاء جرى تسييسه بعد طرد العشرات من القضاة المستقلين. المعارضة جرى تشويهها بتهم “الإرهاب” و”التآمر على الدولة”.
في هذا السياق، يصبح الاتحاد آخر صوت قادر على إزعاج السلطة، لأنه يمتلك ما تفتقده الأحزاب: قاعدة اجتماعية واسعة، وشرعية تاريخية. لذلك، فإن معركة سعيد مع الاتحاد هي في حقيقتها معركة ضد أي إمكانية لعودة التوازن السياسي في البلاد.
إلى أين؟ مستقبل الاتحاد بين الانقسام والصمود
السؤال الحاسم الآن: هل سينجو الاتحاد من هذه المواجهة؟ هناك سيناريوهان رئيسيان. الأول، أن تؤدي الانقسامات الداخلية والضغط المالي والإداري إلى إنهاكه تدريجياً، فتتراجع قدرته على الحشد وتتحول قيادته إلى مجرد صوت احتجاجي محدود التأثير. الثاني، أن ينجح في إعادة ترتيب صفوفه وبناء تحالفات مع باقي القوى المعارضة، مستفيداً من تصاعد السخط الشعبي على الأزمة الاقتصادية، ليصبح رأس حربة لمواجهة مشروع سعيد السلطوي.
تاريخ الاتحاد يعطي إشارات أنه قادر على الصمود، لكنه في الوقت نفسه يواجه تحديات غير مسبوقة: أزمة قيادة، فقدان ثقة بعض المواطنين، وهجوم مباشر من السلطة. معادلة معقدة قد تحدد مستقبل تونس نفسها، لأن سقوط الاتحاد يعني عملياً سقوط آخر مؤسسات المقاومة المدنية.
خاتمة: تونس على مفترق طرق
هجوم قيس سعيد على اتحاد الشغل ليس مجرد خلاف سياسي، بل معركة حول بقاء فضاء عام مستقل في تونس. إذا تمكن الرئيس من إضعاف الاتحاد، فلن يبقى أي حاجز أمام استكمال بناء نظام فردي مغلق. أما إذا نجح الاتحاد في الصمود، فسيكون قد حافظ على جذوة المقاومة المدنية مشتعلة في بلد كان يوماً ملهماً للثورات العربية.
اقرأ أيضًا : ااعتقال القاضي المسعودي يفتح ملف قمع القضاء في تونس