في خطوة أثارت جدلاً واسعًا داخل الأوساط الحقوقية والقضائية، أدانت اللجنة الدولية للحقوقيين اعتقال السلطات التونسية للقاضي مراد المسعودي، وطالبت بالإفراج الفوري عنه، ووقف كل أشكال الملاحقات ضد القضاة الذين لا يلتزمون بخط السلطة.
القضية الجديدة، وفق المراقبين، ليست مجرد ملف قضائي بحت، بل تكشف عمق الأزمة التي يعيشها القضاء التونسي منذ قرارات الرئيس قيس سعيّد الاستثنائية في يوليو/تموز 2021، وما تبعها من حملات عزل واعتقال استهدفت العشرات من القضاة، في مسعى لوضع اليد الكاملة على مؤسسة القضاء.

خلفية اعتقال القاضي المسعودي
القاضي مراد المسعودي، رئيس جمعية القضاة الشبان، تم اعتقاله في الخامس عشر من الشهر الجاري، بعد صدور حكم يقضي بسجنه ثمانية أشهر بتهم تتعلق بـ”التأثير على الناخبين” و”جمع تزكيات غير قانونية” في إطار ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2024. وعلى الرغم من أن محاميه قدّم استئنافًا على الحكم، ما يجعله غير قابل للتنفيذ، إلا أن السلطات أصرت على توقيفه وإيداعه سجن المرناقية.
اللافت أن المسعودي كان واحدًا من 57 قاضيًا أقالهم الرئيس سعيّد في يونيو/حزيران 2022 بمرسوم رئاسي، تحت ذرائع مختلفة منها شبهات فساد. ورغم صدور حكم استعجالي من المحكمة الإدارية يقضي بإيقاف تنفيذ قرار العزل، فإن السلطة تجاهلت القرار وأبقت على عزلهم، في تحدٍّ صارخ لمبدأ سيادة القانون. وزاد الأمر خطورة تجاهل السلطات أيضًا أمرًا صادرًا عن المحكمة الإفريقية في أكتوبر/تشرين الأول 2024، طالبت فيه تونس بإلغاء عزل القضاة وإعادتهم إلى مناصبهم.
انتقادات حقوقية واتهامات بالتعسف
مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في اللجنة الدولية للحقوقيين، سعيد بن عربية، وصف توقيف المسعودي بأنه “تعسفي وغير قانوني”، معتبرًا أن الخطوة تجسد نية واضحة لدى السلطة لعرقلة الحق في المشاركة في إدارة الشأن العام، والضغط على القضاء كي يتحول إلى أداة بيد السلطة التنفيذية.
اللجنة الدولية للحقوقيين شددت في بيانها على ضرورة الإفراج الفوري عن القاضي، ووقف أي إجراءات جنائية مرتبطة بالقضية، واعتبرت أن ما يجري “انتهاك صارخ لحق المسعودي في الحرية والمحاكمة العادلة”، فضلًا عن ضرب لمبدأ الحصانة القضائية. كما لفتت إلى أن الملاحقات القضائية بحق القضاة باتت نهجًا متكررًا، إذ يتم استخدام القضاء كسلاح سياسي لإسكات الأصوات المنتقدة داخل الجهاز القضائي نفسه.
القضاء بين العزل والاعتقال
قضية المسعودي ليست معزولة، بل تندرج ضمن سلسلة طويلة من الإجراءات التي طالت القضاة منذ انقلاب سعيّد على المؤسسات المنتخبة في يوليو 2021. فبعد قراره بعزل 57 قاضيًا، تعرّض العديد من القضاة لملاحقات متتالية، أبرزهم البشير العكرمي وأحمد صواب اللذان يقبعان في السجن حاليًا، في حين اعتُقل القاضي حمادي الرحماني وأُفرج عنه لاحقًا.
المفارقة أن هذه الإجراءات جاءت بعد حلّ الرئيس للمجلس الأعلى للقضاء واستبداله بمجلس مؤقت يعيّنه هو، الأمر الذي اعتبرته منظمات حقوقية “إجهازًا على استقلال القضاء” وتحويله إلى جهاز تابع للسلطة التنفيذية. ولم تفلح الانتقادات الدولية ولا قرارات المحاكم الإدارية أو الإفريقية في ثني السلطة عن المضي في هذا المسار، بل على العكس، توسعت دائرة القمع لتشمل حتى القضاة الذين حاولوا الترشح للانتخابات وممارسة حقوقهم السياسية.
قمع متصاعد واستهداف للمعارضين
منذ قرارات 25 يوليو/تموز 2021، توسعت دائرة الاستهداف لتشمل المعارضين السياسيين، النشطاء، الصحفيين، وحتى القضاة. عشرات القضايا رُفعت ضد معارضين بارزين، في وقت يتصاعد فيه التضييق على المجتمع المدني والإعلام. وبالنسبة إلى القضاة، فإن محاكماتهم ليست سوى وسيلة لإعادة تشكيل المشهد القضائي بما يخدم مشروع سعيّد الذي يسعى لاحتكار السلطات كافة.
يذهب بعض المراقبين إلى اعتبار أن القضاء بات يُستخدم اليوم كسلاح لتصفية الحسابات السياسية، عبر اتهامات مطاطة مثل “التآمر على أمن الدولة” أو “الفساد”. وفي هذا السياق، لا يبدو اعتقال المسعودي إلا حلقة جديدة في سلسلة متواصلة من القمع الممنهج، تستهدف ضرب ما تبقى من استقلالية القضاء، وإرسال رسالة ترهيب لبقية القضاة.
مستقبل قاتم لاستقلال القضاء
تؤكد المنظمات الحقوقية أن غياب مجلس قضائي مستقل يمثل خطورة كبرى على مستقبل العدالة في تونس، وأن أي تحقيقات أو محاكمات بحق القضاة يجب أن تجري وفق معايير العدالة الدولية، بعيدًا عن تدخل السلطة التنفيذية. فاستمرار النهج الحالي، بحسب اللجنة الدولية للحقوقيين، ينذر بانهيار كامل لثقة المواطنين في القضاء، وتحويله إلى أداة قمع بدل أن يكون حصنًا للحقوق والحريات.
المشهد الراهن يوحي بأن الرئيس قيس سعيّد ماضٍ في مشروعه السلطوي غير آبه بالانتقادات الداخلية أو الخارجية. ومع غياب أي بوادر لتراجع عن قرارات العزل أو الإفراج عن القضاة المعتقلين، يظل ملف استقلال القضاء واحدًا من أبرز مؤشرات الانزلاق نحو الاستبداد في تونس ما بعد 2021.
الخلاصة:
قضية القاضي مراد المسعودي تكشف بوضوح أن الصراع في تونس لم يعد فقط سياسيًا بين السلطة والمعارضة، بل امتد إلى قلب الجهاز القضائي. ما يجري يعكس محاولة ممنهجة لإعادة تشكيل القضاء على مقاس السلطة التنفيذية، وسط صمت دولي نسبي وتجاهل لقرارات المحاكم المحلية والدولية. ويطرح هذا الواقع أسئلة خطيرة حول مصير الحقوق والحريات في بلد كان يُعتبر أيقونة “الربيع العربي”.
اقرأ أيضًا : كاتس يعلن البقاء في جبل الشيخ والمنطقة العازلة: تأجيج للصراع وزعزعة لاستقرار سوريا