انطلقت مسيرة جماهيرية حاشدة من أمام مقر نقابة الصحفيين التونسيين، ظهر الجمعة، متجهة صوب شارع الثورة وسط العاصمة تونس، في مشهد نادر من الوحدة بين مختلف الأطياف السياسية.

وشارك في المسيرة، وفق تقديرات المنظمين، قرابة 3000 شخص، من كافة المشارب السياسية يمينًا ويسارًا، حيث علت الهتافات الرافضة لقمع الحريات، والمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين وسجناء الرأي، وعلى رأسهم القاضي السابق والمحامي البارز أحمد صواب.

وقد صدحت الحناجر بشعار موحد ألهب الأجواء: “يسقط يسقط النظام.. يسقط يسقط قيس سعيد”، في تحدٍّ صريح وغير مسبوق للسلطة الحالية التي يقودها الرئيس قيس سعيد منذ انقلابه على المؤسسات الديمقراطية عام 2021.

جاءت هذه المسيرة بدعوة من عائلة أحمد صواب، الذي اعتُقل قبل أيام بسبب تصريحات أدلى بها حول ملف “التآمر على أمن الدولة”، وهو الملف الذي بات ذريعة متكررة لقمع المعارضين في تونس.

ورغم الحصار الأمني المضروب حول مقر وزارة الداخلية، حاول المتظاهرون كسر الحواجز الأمنية للتقدم نحو المبنى، لكن قوات الأمن تصدت لهم ومنعتهم بالقوة، ما أدى إلى مناوشات محدودة لكنها كشفت حجم التوتر والاحتقان الشعبي.

 

ملف اعتقال أحمد صواب: مواجهة بين القضاء والسلطة

القضية التي أشعلت فتيل الغضب الشعبي تعود إلى اعتقال أحمد صواب، القاضي السابق والمحامي، بعد مقطع فيديو ظهر فيه عقب جلسة محاكمة في قضية “التآمر على أمن الدولة”، حيث اعتبر القضاء أن تصريحاته تشكل “تهديدًا للقضاة”، ليتم توجيه تهم إرهابية ضده، وإيداعه السجن بأمر من قاضي التحقيق بالقطب القضائي لمكافحة الإرهاب.

محامي الدفاع، سامي بن غازي، أكد أن الملف فارغ تمامًا من أي أدلة إدانة، واعتبر أن اعتقال صواب “معركة حقيقية من أجل استقلال القضاء”.

وفي تصريح خاص أوضح بن غازي أن صواب يتمتع بحالة نفسية جيدة، ويعتبر أن المعركة ليست معركته الشخصية بل معركة كل التونسيين للدفاع عن الحقوق والحريات الأساسية.

توالت بيانات الإدانة من مختلف الأحزاب الوطنية والمنظمات الحقوقية داخليًا وخارجيًا، فضلاً عن تضامن شخصيات عالمية مع صواب، في حين وصفت عائلته اعتقاله بأنه “قرار سياسي بامتياز”، جاء كرد فعل على كشفه حقيقة ما وصفته بـ”مسرحية التآمر” التي تُستغل لتصفية الخصوم السياسيين.

شقيقه منجي صواب، قال في كلمة له خلال المسيرة: “محاكمة أحمد هي محاكمة لتونس.. محاكمة لحرية التعبير واستقلالية القضاء.. ونحن نرفع شعار: أطلقوا سراح تونس”.

قمع الحريات في عهد قيس سعيد: الأزمة تتفاقم

ما حدث في العاصمة تونس الجمعة لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق السياسي العام، إذ تشهد البلاد منذ إعلان قيس سعيد عن “الإجراءات الاستثنائية” قبل نحو ثلاثة أعوام، تراجعًا حادًا في مؤشرات الحريات العامة والفردية، وسط حملات متكررة تستهدف المعارضين والنقابيين والصحفيين.

قيس سعيد الذي صعد إلى الحكم بخطاب يدغدغ مشاعر التونسيين بالحديث عن “تطهير الدولة” ومحاربة الفساد، سرعان ما تحول إلى رمز للسلطوية الجديدة، عبر تفكيك المؤسسات الديمقراطية، وإقرار دستور جديد يقلص من صلاحيات البرلمان ويوسع سلطات الرئاسة.

وقد شكلت قضايا “التآمر على أمن الدولة” الغطاء القانوني المفضل لقمع المعارضين، حيث اعتُقل على خلفيتها عشرات الشخصيات السياسية والنقابية، بينهم قضاة وصحفيون ومحامون وحقوقيون.

تحذيرات المنظمات الدولية تصاعدت بدورها، إذ دعت منظمة العفو الدولية إلى الإفراج الفوري عن جميع المعتقلين على خلفية آرائهم السياسية، فيما عبّرت الأمم المتحدة عن قلقها العميق إزاء حالة الحقوق والحريات في تونس.

رسالة الشارع: لا ديمقراطية بدون حرية

المسيرة التي وحدت مختلف الأطياف السياسية، من اليمين إلى اليسار، بعثت رسالة واضحة بأن معركة الدفاع عن الحريات أصبحت اليوم قضية وطنية جامعة، تتجاوز الخلافات الإيديولوجية والحسابات الحزبية الضيقة.

إن اعتقال أحمد صواب كشف مدى هشاشة السلطة الحالية أمام أي صوت ناقد، وأثبت أن القمع لا يزيد إلا من صلابة المجتمع المدني وإصراره على استعادة تونس التي حلم بها الثوار ذات يوم من شتاء 2011.

معركة الحريات في تونس اليوم ليست معركة فئة أو حزب، بل معركة وجودية تحدد مستقبل البلاد بأكملها: إما أن تنتصر الحرية ويستعيد التونسيون دولتهم، أو يتم وأد التجربة الديمقراطية التونسية إلى أجل غير مسمى.

اقرأ أيضًا : تصل إلى 66 عاما.. أحكام قاسية بالسجن تعمّق قمع قيس سعيد