في مشهد يُعبر عن تصعيد خطير في نهج القمع السياسي، أصدرت محكمة تونسية فجر السبت أحكامًا بالسجن تراوحت بين 13 و66 عامًا، ضد عشرات الشخصيات السياسية والعامة، على خلفية ما تُعرف بقضية “التآمر على أمن الدولة”.
هذه الأحكام، التي اعتُبرت من الأشد في عهد الرئيس قيس سعيّد، تُعد مؤشرًا على المضي قدمًا في مشروع تكميم الأصوات المنتقدة، وتصفية الخصوم السياسيين عبر القضاء، بعد انقلاب سعيّد على الدستور في 2021 واستفراده بجميع السلطات.
وبينما تُتهم هذه المجموعة بمزاعم التآمر والإرهاب، تقول منظمات حقوقية وأحزاب معارضة إن ما يحدث ليس سوى “محاكمات سياسية مغلّفة بعبارات أمنية”، هدفها تحييد المعارضة وترهيب الشارع التونسي، وإرسال رسالة بأن لا صوت يعلو فوق صوت السلطة.

غياب المتهمين وتهم فضفاضة
بدأت المحاكمة في فبراير 2023 وشملت أكثر من 40 شخصية من بينها وزراء سابقون، وقيادات حزبية، ومحامون.
من أبرز الأسماء التي طالتها الأحكام القيادي في حركة النهضة نور الدين البحيري، وأمين عام الحزب الجمهوري عصام الشابي، والوزير الأسبق غازي الشواشي، ورئيس الديوان الرئاسي الأسبق رضا بلحاج. الأحكام شملت أيضًا متهمين في حالة فرار، وقد صدرت ضدهم غيابيًا.
اللافت أن الجلسة شهدت غياب المتهمين، وغياب وسائل الإعلام، فيما كانت أسر المعتقلين تحتج خارج المحكمة. وتضمنت لائحة الاتهام عبارات مثل “التآمر على أمن الدولة الداخلي والخارجي”، و”تكوين وفاق إرهابي”، و”تبديل هيئة الدولة”، و”التحريض على الفوضى”، و”الإضرار بالأمن الغذائي والبيئي”، وهي تهم فضفاضة تُستخدم عادة لإسكات المعارضين.
وقد عقدت المحكمة جلستين أساسيتين قبل صدور الأحكام، الأولى في 4 مارس، والثانية في 11 أبريل، دون أن يُسمح للرأي العام أو الإعلام بتغطية المحاكمة، ما اعتبره مراقبون “تعتيمًا متعمدًا” يخفي غياب العدالة، ويُضعف الضمانات القانونية الأساسية.
قيس سعيّد يوغل في القمع ويقوّض الدولة
لا يمكن فصل هذه الأحكام عن المسار الذي انتهجه قيس سعيّد منذ يوليو 2021 حين جمد عمل البرلمان وأقال الحكومة، ثم أمسك بزمام القضاء وأعاد تشكيله بما يخدم أجندته السياسية.
فمنذ ذلك التاريخ، لم تعد تونس دولة القانون والفصل بين السلطات، بل تحولت إلى ساحة لتصفية الحسابات، حيث يُستدعى القضاء لتشريع القمع، وتُوجه التهم حسب مقاس الخصم.
القضية تُعد محطة جديدة في مشروع سعيّد الذي ينقلب على مؤسسات الدولة الواحدة تلو الأخرى: حل البرلمان، ثم السيطرة على المجلس الأعلى للقضاء، فالدستور الجديد الذي مرره في استفتاء شعبي محدود المشاركة، وأخيرًا توظيف القضاء لملاحقة المعارضين.
القيادي المعارض أحمد نجيب الشابي، وصف المحاكمة بأنها “مظلمة كبرى”، مؤكداً أن ما جرى هو نتيجة مباشرة لتورط السلطة السياسية في هندسة القمع، وقال: “نحن نواجه سلطة لم تعد تحتمل وجود المعارضة، ولذلك فإننا نواجه الآن أحكاماً انتقامية، لا علاقة لها بالقانون”.
الأحكام التي صدرت ليست فقط قاسية من حيث المدة، بل هي رسالة سياسية تقول: من ينتقد قيس سعيّد سيُواجه الإعدام المدني. كما تهدف هذه الأحكام إلى بث الرعب داخل الحراك المعارض، وخاصة جبهة “الخلاص الوطني” التي تُعد أبرز تشكيل سياسي مناهض لسعيّد اليوم.
هل تعود تونس إلى عهد الدولة البوليسية؟
ما يجري في تونس اليوم يُنذر بعودة تدريجية للدولة البوليسية، حيث تُدار الدولة عبر الخوف، وتُكمم الأفواه بالمحاكمات، ويُمنع العمل السياسي تحت ذريعة الأمن القومي. ولكن، ما لم يدركه النظام، هو أن هذه السياسة قد تُنتج صمتًا مؤقتًا، لكنها لن تمنع الانفجار.
في ظل انهيار الوضع الاقتصادي، وتدهور الخدمات، وارتفاع معدلات البطالة، تتزايد حالة الغليان الشعبي. ومع غياب أي أفق سياسي، وغياب الثقة في المؤسسات، فإن الإمعان في القمع لن يؤدي إلا إلى تفكك الدولة من الداخل.
تونس اليوم لا تحتاج إلى محاكمات استعراضية، بل إلى حوار سياسي شامل يعيد التوازن بين السلطات، ويُطلق سراح المعتقلين السياسيين، ويُعيد للمواطن شعوره بالأمان والعدالة.
أما استمرار قيس سعيّد في هذا النهج السلطوي، فلن يُنتج دولة مستقرة، بل سيفتح الباب أمام تفجر اجتماعي وسياسي قد يكون الأعنف منذ الثورة، في لحظة يُعيد فيها التاريخ نفسه، لكن بثمنٍ أثقل.
اقرأ أيضًا : تونس تغرق في قبضة الاستبداد وسط صمت دولي مريب