أدانت دولة الإمارات، عبر وزارة خارجيتها، الهجمات المسلحة التي طالت مخيمي نازحين وفرق إغاثة قرب مدينة الفاشر في إقليم دارفور السوداني، والتي أسفرت عن سقوط مئات القتلى والجرحى، ووصفتها بانتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني.
ورغم هذا الموقف “الإنساني” الظاهري، تجاهلت أبو ظبي في بيانها الإشارة إلى الجهة المسؤولة عن هذه المجازر، وكأن الأمر وقع في فراغ.
لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن ميليشيات “قوات الدعم السريع” التي ارتكبت هذه الجرائم، لا تزال تتلقى دعماً مالياً ولوجستياً من النظام الإماراتي نفسه، وفقاً لتحقيقات دولية وشهادات ميدانية، ما يفضح سياسة “الوجهين” التي تتبعها أبو ظبي في إدارة الحروب بالوكالة في المنطقة.

البيان الإماراتي.. لغة ناعمة تتستر على دماء الأبرياء
جاء في البيان الرسمي لوزارة الخارجية الإماراتية: “تؤكد دولة الإمارات رفضها الدائم لجميع أشكال العنف والممارسات غير المشروعة التي تهدد الاستقرار وتتنافى مع القيم والمبادئ الإنسانية.
وأعربت عن “خالص تعازيها لأهالي الضحايا وتمنياتها بالشفاء العاجل للمصابين”، داعية إلى حماية المدنيين وتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية.
هذه اللغة الدبلوماسية لا تخلو من الطابع الإنساني، لكنها تفتقر إلى الشجاعة الأخلاقية في تسمية المسؤول عن هذه الجرائم: قوات الدعم السريع، الذراع العسكرية غير الرسمية التي تغذيها الإمارات منذ سنوات في حربها بالوكالة داخل السودان.
ولم يأت البيان بأي إشارة إلى قوات محمد حمدان دقلو “حميدتي”، قائد قوات الدعم السريع، الذي أصبح من كبار حلفاء أبو ظبي في السودان منذ سنوات.
ولا يمكن قراءة هذا الصمت الإماراتي عن الجهة المنفذة إلا بوصفه تستراً متعمداً يهدف إلى طمس معالم جريمة تلطخت بها أيادي من يمولونها، ولو كانوا يرفعون شعارات الإنسانية في العلن.
الإمارات والدعم السريع.. تحالف قائم على الدم والنفط والذهب
منذ اندلاع النزاع السوداني بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، تصاعدت الاتهامات الموجهة إلى الإمارات بشأن تورطها في تسليح وتمويل قوات “حميدتي”.
ووفقاً لتقارير أممية وتحقيقات صحفية، أبرزها تحقيق نشرته صحيفة فاينانشال تايمز، فإن طائرات إماراتية استخدمت مطارات في غرب ليبيا وأريتريا لتهريب الأسلحة إلى قوات الدعم السريع، ضمن شبكة معقدة من الدعم العسكري والمالي.
كما كشف تقرير للأمم المتحدة أن الإمارات استمرت في دعم قوات الدعم السريع حتى بعد بدء الصراع، من خلال إمدادها بالمعدات والطائرات المسيرة، وتوفير ممرات لوجستية ساعدت في استمرار الهجمات التي استهدفت المدنيين وفرق الإغاثة وارتكبت انتهاكات ممنهجة.
في المقابل، تحصل الإمارات على امتيازات اقتصادية ضخمة، خصوصًا في قطاع الذهب الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع في مناطق التعدين، وتقوم بتهريبه إلى الخارج عبر شبكة تهريب تمر بالإمارات، وفق ما أظهرته تحقيقات استقصائية دولية.
الوجه الإعلامي المراوغ: كيف تسوّق الإمارات صورة “الوسيط الإنساني”؟
في تناقض فاضح، تحاول الإمارات الظهور بمظهر الوسيط الحريص على السلام في السودان، متباهية بمشاركتها في الجهود الإنسانية وتقديم المعونات، بل واحتضانها لجولات تفاوض بين أطراف النزاع، كما حدث في أبو ظبي لكنها تتجاهل أن دورها التخريبي لا يمكن حجبه بالمؤتمرات أو البيانات الإنشائية.
النهج الإماراتي يشبه ما فعله ولي عهدها محمد بن زايد في اليمن، حين شارك في التحالف العربي ضد الحوثيين تحت غطاء “إعادة الشرعية”، بينما دعم في الخفاء فصائل انفصالية ومليشيات متطرفة. واليوم يعيد النظام الإماراتي نفس السيناريو في السودان: دعم صريح لمليشيا إجرامية، وبيانات شجب ناعمة حين تخرج الفظائع عن السيطرة وتثير الغضب العالمي.
ما وراء الإدانة.. تبرئة أم تمهيد لصفقة سياسية؟
البيان الإماراتي لا يمكن فصله عن تصاعد الضغوط الدولية على أبو ظبي، لا سيما بعد أن وثّقت منظمات دولية كـ”هيومن رايتس ووتش” و”منظمة العفو الدولية” ارتكاب قوات الدعم السريع لجرائم تطهير عرقي واغتصاب جماعي وقتل جماعي في مناطق غرب دارفور.
وفي ظل الحديث المتزايد عن إمكانية محاكمة دولية لقادة الحرب في السودان، يبدو أن الإمارات تحاول استباق هذه التطورات، عبر تبني خطاب “الحياد الإنساني”، لإبعاد نفسها عن ملف الإبادة الجماعية.
لكن الحقيقة أن البيانات لا تُمحى بها الجرائم، والمسؤولية السياسية والأخلاقية لا تسقط بالتنصل الخطابي. فالداعم ليس أقل إجراماً من المنفذ، ومتى انكشف التمويل وظهر الغرض، سقط القناع وانكشفت الحقيقة.
دماء السودان لا تُغسل بالنفاق
ما يحدث في دارفور ليس مجرد مأساة إنسانية بل هو مشروع إبادة ممنهجة، تغذيها أطراف خارجية تسعى إلى تحقيق مصالحها على جثث الأبرياء. والإمارات، التي تموّل وتقوّي ميليشيات الدعم السريع، لا يمكن أن تُعفى من المسؤولية بجرة قلم على ورق بيان رسمي.
بل إن هذا التناقض بين ما تقوله وما تفعله يكشف عن جوهر سياساتها في المنطقة: دعم الاستبداد، واحتكار الثروات، وشراء الشرعية ببيانات إنسانية جوفاء.
اقرأ أيضًا : بصمات النظام الإماراتي في المجازر.. مليشيات الدعم السريع تقتل طاقم مستشفى في مخيم زمزم وتواصل جرائمها في دارفور