كشفت صحيفة نيويورك تايمز عن جريمة مروّعة جديدة ارتكبتها ميليشيا الدعم السريع، إذ أقدمت على قتل كامل طاقم آخر مستشفى ميداني يعمل في مخيم زمزم للنازحين، قرب مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور.
ووفق ما نقلته الصحيفة عن منظمات إغاثة والأمم المتحدة، فإن الهجوم وقع مساء الجمعة بعد قصف استمر لساعات، أسفر عن مقتل تسعة من طاقم المستشفى، بينهم طبيب، وتدمير مئات المنازل والسوق الرئيسية داخل المخيم الذي يضم أكثر من نصف مليون نازح.
منظمة الإغاثة الدولية، التي تشرف على إدارة المستشفى، وصفت ما جرى بأنه “مأساة كبيرة”، بينما حمّلت جهات طبية في السودان، وعلى رأسها شبكة أطباء السودان، قوات الدعم السريع مسؤولية قتل عشرة من الكوادر الطبية في شمال دارفور خلال يومين فقط، بينهم ستة أطباء ومعالجين في مخيم زمزم، إضافة إلى مدير مستشفى أم كدادة شرقي الولاية، في سابقة لم يُشهد لها مثيل في تاريخ النزاعات السودانية.
وقالت الشبكة إن استهداف الكوادر الطبية تم بشكل ممنهج داخل المرافق الصحية، وهو ما يمثل “تمادياً خطيراً في القتل” وانتهاكاً فاضحاً للقوانين الدولية الإنسانية.

تكذيب مفضوح.. والدعم السريع تبرر جريمتها بسيل من الأكاذيب
ورغم ثبوت الجريمة بشهادات منظمات دولية ومحلية ومقاطع مصوّرة، أصدرت قوات الدعم السريع بيانًا على تطبيق “تليغرام” نفت فيه ارتكاب أي انتهاكات في مخيم زمزم، ووصفت المقاطع المنتشرة بأنها “مضللة”، زاعمة التزامها بالقانون الدولي الإنساني.
وهو نفي لم يعد يجد آذاناً صاغية في ظل التراكم الهائل للأدلة على تورط هذه الميليشيات في حملات إبادة جماعية، خصوصاً في دارفور.
بيان الخارجية السودانية ومنظمات الإغاثة أكد أن قوات الدعم السريع شنت بالفعل هجمات موسعة على مخيم زمزم، أدت إلى مقتل وجرح المئات، وتدمير البنية التحتية الحيوية للمخيم، من منازل وأسواق ومراكز رعاية صحية.
وفي السياق نفسه، قال الإعلام العسكري السوداني إن نحو 70 مدنيًا قتلوا نتيجة القصف المدفعي والمسيرات التي أطلقتها الدعم السريع، مشيرًا إلى أن القوات الحكومية تمكنت من صد الهجوم وأوقعت في صفوف المهاجمين نحو 50 قتيلاً.
كما أكدت التنسيقية العامة للنازحين واللاجئين أن الهجمات بدأت يوم الخميس واستمرت حتى السبت، وتسببت في دمار واسع النطاق.
الإمارات في الخلفية.. من يمول جرائم الإبادة؟
رغم محاولات الدعم السريع نفي الاتهامات، تتقاطع شهادات المنظمات والناجين مع تقارير دولية تتحدث عن دعم خارجي واسع للميليشيا، في مقدمتها النظام الإماراتي الذي يُتهم بشكل مباشر بتمويل وتسليح الدعم السريع.
وقد أفادت تقارير حقوقية وصحفية، أبرزها تقارير “هيومن رايتس ووتش” ومختبر الأبحاث الإنسانية التابع لجامعة ييل، بأن الإمارات زوّدت هذه القوات بالسلاح والمال، في خرق واضح لاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948.
وسبق للحكومة السودانية أن رفعت دعوى قضائية أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي تتهم فيها دولة الإمارات بدعم قوات الدعم السريع المتورطة في ارتكاب إبادة جماعية ضد قبائل أفريقية في دارفور، وعلى رأسها قبيلة المساليت، وهو ما اعتبره مراقبون تطورًا خطيرًا من شأنه أن يجر أبوظبي إلى أروقة المحاكمة الدولية.
صمت دولي وتنديد محلي.. من يوقف هذا الجحيم؟
في الداخل السوداني، لم يلتزم المجتمع المدني الصمت. فقد أصدرت المجموعة السودانية للدفاع عن الحقوق والحريات بياناً شديد اللهجة أدانت فيه ما وصفته بـ”المجازر المنظمة” التي ترتكبها قوات الدعم السريع في مدن مثل أم كدادة والفاشر، مشيرة إلى أن المدينة الأخيرة تشهد تصعيداً دامياً متواصلاً، وأن الوضع الإنساني فيها ينحدر نحو كارثة لا يمكن احتواؤها.
وحمّلت المجموعة أطراف الحرب المسؤولية عن الانهيار الحاصل، كما اتهمت تجار الحروب بالتنازع على السلطة على حساب دماء المدنيين، في ظل تواطؤ دولي مخزٍ، وتغافل المجتمع الدولي عن معاناة آلاف النازحين والضحايا في دارفور.
في المقابل، لا تزال الدول الكبرى والمنظمات الإقليمية تكتفي بالبيانات الخجولة دون اتخاذ إجراءات حاسمة ضد ممولي هذه الجرائم، وعلى رأسهم النظام الإماراتي، الذي يروّج نفسه على الساحة الدولية كراعٍ للسلام، بينما تورطه التقارير في دعم جماعات مرتزقة تنشر الموت والخراب في السودان.
هل تنجو زمزم من حريق الإبادة؟
ما حدث في مخيم زمزم ليس حادثاً عرضياً ولا جزءاً من معركة تقليدية، بل هو وجه صارخ للإبادة الجماعية التي تُنفذ على مراحل بحق المدنيين والكوادر الطبية العزل، في ظل صمت دولي وتواطؤ عربي.
وإذا لم يتحرك المجتمع الدولي لوقف هذا النزيف الدموي ومحاسبة مموليه، فإن زمزم ستكون بداية لمسلسل طويل من المخيمات التي ستموت بصمت، الواحد تلو الآخر.
اقرأ أيضًا : الطريق إلى لاهاي: وزير العدل السوداني يعلن تقديم “أدلة دامغة” ضد النظام الإماراتي تشمل مجازر الغرب و”ود النورة”