في مشهدٍ أثار سخريةً واسعة وجدلاً محتدمًا على منصات التواصل الاجتماعي، خرجت دولة الإمارات العربية المتحدة بإدانة رسمية لما وصفته بـ”الفظائع الإنسانية” في مدينة الفاشر السودانية، داعيةً إلى محاسبة المسؤولين عنها وضمان حماية المدنيين، في وقتٍ تتهم فيه تقارير إقليمية ودولية أبوظبي نفسها بتمويل وتسليح قوات الدعم السريع التي ارتكبت تلك الانتهاكات.

بيان إنساني يثير الغضب والشكوك
في كلمته أمام مجلس الأمن الدولي، دعا السفير الإماراتي لدى الأمم المتحدة محمد أبو شهاب الأطراف المتحاربة في السودان إلى “الامتثال الكامل للقانون الدولي الإنساني، وتوفير ممرات آمنة لوصول المساعدات الإنسانية دون عوائق”.
وشدد على ضرورة حماية المدنيين، خصوصًا النساء والأطفال وكبار السن، في إشارة إلى الفظائع التي شهدتها مدينة الفاشر خلال الأسابيع الأخيرة بعد سيطرة قوات الدعم السريع عليها.
لكنّ لهجة البيان لم تمر مرور الكرام، إذ سرعان ما تحوّل إلى مادةٍ للسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث كتب ناشطون سودانيون أن الإمارات “تدين نفسها”، لأنها – بحسب قولهم – الممول الأول لقوات الدعم السريع بالسلاح والمال والمعدات اللوجستية. وأكد آخرون أن هذه الإدانة لا تعدو كونها “مناورة سياسية لتبييض صورة النظام الإماراتي أمام المجتمع الدولي بعد أن افتُضح دوره في حرب دارفور”.
ردّ هجومي على الحكومة السودانية
في كلمته، حاول السفير أبو شهاب الدفاع عن موقف بلاده بعد اتهامات مباشرة من الحكومة السودانية لأبوظبي بدعم قوات الدعم السريع. وقال إن “من العبث أن يواصل أحد الأطراف المتحاربة تسييس هذا المنتدى بنشر مزاعم كاذبة لا أساس لها”، في إشارة واضحة إلى الخرطوم. وأضاف: “هذا الطرف يتحمل المسؤولية المباشرة عن دمار بلده، وله سجل حافل بعرقلة جهود السلام ورفض وقف إطلاق النار”.
وتابع السفير الإماراتي اتهاماته للجيش السوداني قائلاً إن “القوات المسلحة السودانية استولت على السلطة في عام 2021، ومنذ ذلك الحين خربت كل جهد سلام ذي مصداقية، وكان عنادها سببًا في الكارثة التي نراها اليوم”.
هذا الخطاب أثار استنكاراً واسعاً، إذ اعتبره محللون “تحويلًا للاتهامات”، ومحاولة إماراتية للهروب من مسؤوليتها الأخلاقية والسياسية تجاه ما يجري في دارفور، خصوصاً بعدما كشفت تقارير غربية، من بينها تقارير للأمم المتحدة وصحيفة وول ستريت جورنال، عن خطوط إمداد إماراتية تصل إلى قوات الدعم السريع عبر تشاد وأفريقيا الوسطى.
حميدتي يقرّ بـ”تجاوزات”.. والإمارات في مأزق أخلاقي
في موازاة البيان الإماراتي، خرج قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) في مقطع مصور ليعترف بوقوع “تجاوزات” من قبل مقاتليه في مدينة الفاشر، معلنًا تشكيل لجان تحقيق وصلت بالفعل إلى المدينة. وقال حميدتي: “أنا شايف في تجاوزات حصلت في الفاشر، ومن هنا أعلن عن تشكيل لجان تحقيق… وأي جندي أو ضابط تجاوز سيُحاسب فورًا”.
ورغم محاولته الظهور بمظهر القائد الحريص على الانضباط، فإن اعترافه جاء ليؤكد ما حاولت الإمارات إنكاره، إذ أقرّ بارتكاب انتهاكات جسيمة خلال الهجوم على المدينة. وبعد ساعات، أصدرت قوات الدعم السريع بيانًا أعلنت فيه “القبض على عدد من المقاتلين المتورطين في التجاوزات، وعلى رأسهم المدعو أبو لؤلؤ”.
هذه الخطوة اعتبرها مراقبون “محاولة لامتصاص الغضب الدولي”، فيما تساءل ناشطون عن جدوى لجان التحقيق إذا كانت القوة ذاتها التي ارتكبت المجازر هي التي تدير التحقيق فيها.
تناقضات الخطاب الإماراتي
يرى محللون أن الموقف الإماراتي الجديد لا يمكن فصله عن الضغوط الدولية المتصاعدة ضد أبوظبي، خصوصاً بعد تصاعد الحديث في الأوساط الدبلوماسية الغربية عن احتمال فتح تحقيق أممي في دعمها العسكري لقوات الدعم السريع. وتحدث مراقبون عن “ارتباك واضح في خطاب الإمارات”، بين إصرارها على لعب دور الوسيط الإنساني من جهة، واستمرارها في تزويد طرف من أطراف النزاع بالدعم المادي والعسكري من جهة أخرى.
ووفق تقارير عدة، فقد استخدمت الإمارات شبكة من الشركات والوسطاء لنقل السلاح والمعدات إلى قوات الدعم السريع عبر مطارات وموانئ في أفريقيا، في حين تنفي أبوظبي تلك الاتهامات بشدة وتصفها بـ”الملفقة”. غير أن توقيت إدانتها لمجازر الفاشر – بعد أسبوع فقط من تقارير أممية حول الفظائع – جعل الكثيرين يعتبرونها خطوة استباقية لتجنّب مزيد من الضغوط والعقوبات المحتملة.
“إدانة تُدين صاحبها”
في منصات التواصل، علّق ناشطون سودانيون وعرب بعبارات لاذعة على البيان الإماراتي. فكتب أحدهم: “من يموّل الجريمة لا يحق له البكاء على الضحية”، بينما قال آخر: “أبوظبي تريد غسل يديها من دماء دارفور بماءٍ لا يُطهّر”.
أما بعض المحللين فذهبوا إلى أن هذه التصريحات “تعكس مأزقًا أخلاقيًا تعيشه الإمارات”، فهي تحاول الظهور بمظهر الدولة الراعية للسلام بينما تُتهم بلعب دورٍ خفيّ في إذكاء الحرب.
في المقابل، يرى آخرون أن الموقف الإماراتي يأتي في إطار إعادة تموضع سياسي بعد انكشاف حجم الكارثة الإنسانية في السودان، وأن أبوظبي تسعى للحفاظ على صورتها الدولية خاصة مع اقتراب جلسات محتملة في مجلس الأمن حول دارفور.
خاتمة: بين الإدانة والتورط
تبدو الإمارات اليوم في وضعٍ صعب، إذ تحاول أن تتحدث باسم الإنسانية بينما تُتهم بالتورط في أحد أسوأ النزاعات في القارة الأفريقية. وإدانتها لمجازر الفاشر، التي جاءت متأخرةً، لم تُقنع أحدًا من السودانيين الذين يرون في خطابها “ازدواجية سياسية” مكشوفة.
وفي الوقت الذي تتصاعد فيه الأصوات الدولية المطالبة بتحقيق مستقل في مجازر دارفور، تبقى الأسئلة الأهم معلّقة: هل ستقبل الإمارات الخضوع لتحقيقات شفافة حول دورها في دعم قوات الدعم السريع؟ أم ستواصل الاختباء خلف بيانات الإدانة التي، كما قال المعلقون، “تدينها قبل أن تبرئها”؟
اقرأ أيضًا : الضفة تحت النار.. دماء في رام الله وليلٌ ملتهب في نابلس