في خطاب مصور مؤثر هو الأول له منذ أشهر، وجّه أبو عبيدة، الناطق العسكري باسم كتائب القسام، رسالة شديدة اللهجة إلى قادة الأمة العربية والإسلامية، معبرًا عن غضب المقاومة الفلسطينية من الصمت والتقاعس تجاه ما يجري في قطاع غزة من مجازر وتجويع وإبادة جماعية.
الخطاب جاء في لحظة مفصلية، وسط اشتداد العدوان الإسرائيلي واستمرار التعنت في مفاوضات وقف إطلاق النار وصفقة الأسرى، ليكشف عن خيبة أمل المقاومة من المحيط العربي والإسلامي الذي خذل غزة بالصمت لا بالموقف.

صمت العار.. خصومة أمام الله والتاريخ
بعبارات موجعة وعميقة، حمّل أبو عبيدة المسؤولية الأخلاقية والدينية والتاريخية لكل من صمت عن المجازر المتواصلة في غزة، قائلاً: “أنتم خصومنا أمام الله”، مخاطبًا قادة الأنظمة العربية والإسلامية، والأحزاب الكبرى، وعلماء الدين، الذين اختاروا الوقوف على الحياد بينما يباد الشعب الفلسطيني.
ووصف المتحدث العسكري للقسام الصمت العربي بأنه خذلان تاريخي، مؤكدًا أن رقاب هؤلاء “مثقلة بدماء عشرات الآلاف من الأبرياء”، وأنهم شركاء في الجريمة بصمتهم لا بأفعالهم. وتابع: “أنظمة وقوى أمتنا تتفرج على أشقائها بأرض الرباط، يُقتلون بعشرات الآلاف، ويُجوعون، ويُمنعون من الماء والدواء”، مضيفًا أن “الاحتلال ما كان ليرتكب هذه المجازر إلا لأنه أمن العقوبة، وضمن الصمت، واشترى الخذلان”.
كلمات أبو عبيدة تعكس تحوّلًا في خطاب المقاومة، من خطاب التحدي والصمود فحسب، إلى خطاب المكاشفة والمحاسبة، موجّهًا السهام لا للعدو فقط، بل أيضًا لبيئة عربية ودينية تتحدث كثيرًا عن القضية الفلسطينية، لكنها عاجزة – أو متواطئة – في لحظة الحقيقة.
معادلة الأسرى.. صبر المقاومة يقترب من نهايته
في الملف التفاوضي، أرسل أبو عبيدة إشارات تحذيرية للعدو الإسرائيلي والمجتمع الدولي، مؤكدًا أن المقاومة قد لا تقبل بعد الآن صيغة الصفقات الجزئية أو ما يُعرف بمقترح الأسرى العشرة، في حال واصل الاحتلال تعنته. وقال: “إذا تعنت العدو بجولة المفاوضات الحالية، فلن نضمن العودة مجددًا لصيغة الصفقات الجزئية”.
وهذه الرسالة تعني أن المقاومة باتت تميل إلى خيار “الكل مقابل الكل” في ملف تبادل الأسرى، وهو ما سبق أن عرضته القسام مرارًا، لكن حكومة نتنياهو رفضته لأسباب سياسية داخلية تتعلق بالصراع على البقاء وعدم تقديم “إنجاز” لحماس.
وأكد أبو عبيدة دعم القسام الكامل للوفد التفاوضي الموحد للمقاومة، مشددًا على أن القضية الأساسية في المفاوضات يجب أن تشمل وقف الحرب وانسحاب الاحتلال من غزة، وليس مجرد تبادل محدود للأسرى في ظل استمرار العدوان.
الرسالة هنا واضحة: المقاومة مستعدة للتفاوض، لكن على أساس الكرامة لا الإذلال، وعلى أساس إنهاء الحرب لا استثمارها سياسيًا.
استراتيجية المقاومة.. الدم مقابل الردع
أما على المستوى الميداني، فقد أكد أبو عبيدة أن كتائب القسام تتبنى في هذه المرحلة استراتيجية “إيقاع مقتلة بالعدو”، من خلال عمليات نوعية تستهدف الجنود وتُسهم في ترميم ميزان الردع. وأشار إلى سعي المقاومة لأسر جنود، وهو مؤشر على أن خطط القسام لا تزال فعالة رغم القصف الهائل والحصار المطبق.
هذا التصريح ينسف الرواية الإسرائيلية التي تزعم تفكيك “البنية التحتية” للمقاومة في غزة، ويعكس قدرة القسام على الاحتفاظ بالقدرة العملياتية بعد أكثر من 9 أشهر من الحرب، بل وتجديدها أيضًا وفق ظروف المعركة.
وتعكس لهجة أبو عبيدة ثقة المقاومة في ميدانها، وإصرارها على كسر الاحتلال بأدواتها المتاحة، رغم الخذلان من الخارج، وضغط الداخل، وفوق كل ذلك، سيل الدماء المتواصل.
خاتمة: قنبلة أخلاقية في وجه الخذلان
خطاب أبو عبيدة الأخير لم يكن فقط إحاطة عسكرية أو بيانًا سياسيًا، بل كان قنبلة أخلاقية في وجه عالم يقتل غزة بصمته، ويخونها بنفاقه. لم يترك المتحدث العسكري للقسام مجالًا للالتباس: من يصمت عن الذبح شريك فيه، ومن يمتلك القدرة على الفعل ثم لا يفعل فهو خصم أمام الله والتاريخ.
وإذا كان خطاب أبو عبيدة يعبر عن غضب المقاومة، فإنه أيضًا يوقظ الضمير العربي والإسلامي من سباته القاتل. فالسكوت في زمن المجازر ليس حيادًا، بل خيانة.
اقرأ أيضا : سرايا القدس تفجر دبابة والقسام تستهدف آليات.. المقاومة تفرض معادلات ميدانية جديدة