في مشهد بات يتكرر مع كل تقدم إسرائيلي داخل قطاع غزة، بثت سرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، اليوم الأربعاء، مشاهد موثقة لتفجير دبابة إسرائيلية شرقي حي الزيتون شرقي مدينة غزة، في عملية تُعد حلقة جديدة في سلسلة الكمائن المحكمة التي تكبّد قوات الاحتلال خسائر متلاحقة. وفي وقت لاحق، أعلن جيش الاحتلال إصابة أحد جنوده بجروح خطيرة جنوب القطاع، وسط تصاعد في العمليات المشتركة بين فصائل المقاومة، وعلى رأسها سرايا القدس وكتائب القسام.
هذا التزامن بين العمليات، والقدرة على التوثيق والبث السريع، يعكس رسائل مزدوجة من فصائل المقاومة: أولها تثبيت معادلة الردع ميدانيًا، وثانيها التأكيد على امتلاك اليد العليا في المواجهة البرية رغم الفارق في الإمكانيات.

مشاهد التفجير ورسائل السرايا
المشاهد التي بثتها سرايا القدس أظهرت لحظة زراعة عبوات ناسفة شديدة الانفجار “مهندسة عكسيًا”، ما يعني أن آلية التفجير تم تصميمها خصيصًا لاستهداف مسارات الآليات الإسرائيلية المعروفة مسبقًا. وبعد مراقبة دقيقة لتحركات دبابة إسرائيلية، تم تفجير العبوة مما أدى إلى انفجار هائل وتصاعد أعمدة دخان كثيفة من المكان المستهدَف.
هذه العملية لم تكن مجرد ضربة تكتيكية، بل تحمل دلالات استراتيجية أبرزها قدرة المقاومة على رصد تحركات العدو، وتخزين بنك أهداف متجدد، وتنفيذ عمليات تحت ظروف الحصار والقصف المكثف. إنها رسالة بأن العمل الميداني لا يزال منظمًا، وأن منظومة العمل الاستخباري والميداني لفصائل المقاومة لم تُستنزف رغم مرور أكثر من 9 أشهر على الحرب.
كما تعزز هذه العملية الخطاب الميداني للمقاومة القائل إن دبابات العدو وآلياته لم تعد تتحرك بأمان داخل قطاع غزة، لا في الشجاعية ولا الزيتون ولا رفح، ما يمثل تحولا في طبيعة المواجهة.
القسام تفتح جبهة موازية وتؤكد التنسيق المشترك
بالتزامن مع بث سرايا القدس لمشاهد التفجير، أعلنت كتائب القسام، الذراع العسكرية لحركة حماس، عن تنفيذ سلسلة عمليات ضد آليات إسرائيلية. أبرز هذه العمليات تمثلت في استهداف ناقلة جند وجرافتين عسكريتين من نوع “دي 9” بقذائف “تاندوم” و”الياسين 105″ في شارع المنطار بحي الشجاعية.
ولم تكتف القسام بالاستهداف المباشر للآليات، بل قصفت أيضًا تجمعات لجنود الاحتلال بقذائف الهاون في محيط خان يونس، بما في ذلك موقع قيادة وسيطرة بمنطقة قيزان النجار، بالتعاون مع سرايا القدس.
هذا التنسيق العملياتي بين أكبر فصيلين مسلحين في غزة (حماس والجهاد الإسلامي) يشير إلى درجة عالية من الانسجام والتخطيط المشترك، بما يربك الحسابات الإسرائيلية التي تراهن على تفكيك الجبهات المقاومة عبر الضغط العسكري والسياسي والإعلامي.
كما يُظهر أن جغرافيا غزة، من الشجاعية إلى خان يونس، لا تزال تحت سيطرة ميدانية معتبرة لفصائل المقاومة، بعكس ما يدعيه جيش الاحتلال من “تطهير” أو “تفتيش ناجح”.
الخسائر الإسرائيلية وصمت رسمي إزاء الهزائم
في سياق متصل، أعلن جيش الاحتلال إصابة جندي من كتيبة “شمشون” بجروح خطيرة خلال المعارك جنوب القطاع. ورغم عدم كشف تفاصيل الحادثة، نقلت صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن الجندي أُصيب جراء انهيار مبنى في رفح.
غياب التفاصيل الرسمية يعكس أحد أساليب التعتيم الإعلامي التي ينتهجها الجيش الإسرائيلي منذ بدء الحرب، في محاولة للسيطرة على الرأي العام الداخلي الذي بدأ يشكك في جدوى العمليات البرية الجارية منذ أكتوبر 2023.
الإحصائيات الإسرائيلية تعترف بمقتل 893 جنديًا وإصابة أكثر من 6100 آخرين، لكن فصائل المقاومة تؤكد أن هذه الأرقام لا تمثل سوى جزء من الخسائر الحقيقية التي تتكتم عنها تل أبيب.
وتُعد هذه الإصابات والقتلى انعكاسًا واضحًا لفشل “نظرية الحسم السريع” التي روّج لها الجيش الإسرائيلي، حيث تحولت غزة إلى مستنقع دم للجنود، وآلياته إلى أهداف سهلة في يد المقاومة.
صلابة المقاومة تعيد رسم قواعد الاشتباك
لا يمكن قراءة هذه العمليات بمعزل عن الصمود الأسطوري الذي أبدته المقاومة منذ بدء العملية البرية. فاستمرار القدرة على تنفيذ كمائن هندسية، واستخدام قذائف نوعية، والتنسيق بين الفصائل، كلها مؤشرات على صلابة بنية المقاومة.
العمق التكتيكي لهذه الفصائل يثبت أنها تجاوزت مرحلة الدفاع التقليدي، وانتقلت إلى إدارة معركة استنزاف طويلة الأمد، تعتمد على الإرباك والكمائن والضربات الموضعية المؤثرة.
إن ما تبثه الفصائل من مشاهد، وما تقوله من تصريحات، وما تثبته من واقع على الأرض، يُظهر أن المقاومة لم تنهك، بل تطورت وتحدّت الواقع العسكري المفروض، بل وعكسته لصالحها.
خاتمة تحليلية:
مشاهد تفجير الدبابة الإسرائيلية، واستهداف الآليات في الشجاعية وخان يونس، ليست مجرد أحداث عابرة في مجريات الحرب، بل هي مؤشر على توازن ردع يتشكل في قلب غزة، رغم الحصار والنيران.
في ظل صمت دولي وتواطؤ إقليمي، تتكفل فصائل المقاومة بإعادة تعريف معادلة القوة، من خلال الإبداع الميداني والتماسك التنظيمي والقدرة على الصمود، لتؤكد مرة أخرى أن غزة، وإن كانت محاصرة، فهي ليست مهزومة.
اقرأ أيضًا : الاحتلال يسحب إدارة الحرم الإبراهيمي من بلدية الخليل لصالح مستوطني “كريات أربع”