لم يعد اسم “أبو لولو” مجرد لقب بين مقاتلي قوات الدعم السريع، بل تحوّل خلال الأسابيع الأخيرة إلى رمز للوحشية والانفلات الذي يميز سلوك هذه القوات في إقليم دارفور.
فقد انتشرت مقاطع مصوّرة توثق عمليات إعدام ميداني لأسرى ومدنيين في مدينة الفاشر، يظهر فيها رجل يوجّه الأوامر بدم بارد، قبل أن يطلق النار على الضحايا واحداً تلو الآخر.
هكذا خرج “أبو لولو” من الظل إلى صدارة المشهد، ليصبح الوجه الأكثر دموية للحرب التي تشهدها البلاد منذ أبريل 2023.
ورغم أن أصله غير معروف على وجه الدقة، إلا أن روايات محلية تؤكد أنه قاتل سابق في دارفور التحق لاحقاً بصفوف الدعم السريع، وتمت ترقيته ميدانياً بعد مشاركته في معارك الإقليم، ليصبح أحد القادة غير الرسميين المعروفين بوحشيتهم.
الفاشر.. المدينة التي تحوّلت إلى مسرح للإعدامات
كانت الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، آخر مدينة كبرى تحت سيطرة الجيش السوداني قبل سقوطها بيد الدعم السريع.
ومع سيطرة القوة على المدينة في أكتوبر 2025، تحوّلت إلى رمز للمأساة الإنسانية والجرائم الجماعية.
فقد انتشرت مشاهد توثق قيام عناصر من الدعم السريع بقتل مدنيين في الشوارع، ونهب الممتلكات، وحرق المنازل.
وفي قلب هذه الفوضى، ظهر “أبو لولو” مراراً في تسجيلات مروّعة، بعضها بثّ مباشرة على مواقع التواصل الاجتماعي، ليصبح عنواناً شخصياً للرعب في دارفور.
أحد المقاطع التي أشعلت الغضب أظهره وهو يطلق النار على رجل أعزل في وضح النهار، فيما أظهرت أخرى إعدامات جماعية لأسرى جالسين أرضاً وسط هتافات مسلحين يحتفون بـ”الانتصار”.
هذه المقاطع جعلت من “أبو لولو” أيقونة سوداء للدم المسفوك بلا رادع، وأحرجت حتى قيادة الدعم السريع نفسها.
دعم السريع في مأزق.. تبرؤ متأخر واعتقال شكلي
بعد تصاعد الغضب الشعبي والدولي، أعلنت قيادة قوات الدعم السريع الخميس الماضي القبض على المتهم أبو لولو وعدد من رفاقه، في محاولة لاحتواء موجة السخط المتزايدة.
وقالت القوة في بيانها إنها “تنفذ توجيهات القيادة لضبط الانضباط العسكري واحترام القانون الدولي الإنساني”، متعهدة بمحاسبة كل من “يمسّ الكرامة الإنسانية أو يخالف اتفاقيات جنيف”.
لكن مصادر حقوقية سودانية شككت في جدية هذه الخطوة، معتبرة أن الإعلان “محاولة سياسية لتخفيف الضغط الدولي” أكثر من كونه إجراءً حقيقياً للمحاسبة.
فقد سبق أن أعلنت القيادة ذاتها عن تشكيل لجنة تحقيق في أغسطس الماضي بعد انتشار مقطع مشابه، لكنها لم تقدم أي نتائج أو محاكمات علنية منذ ذلك الحين.
الغضب الدولي يتصاعد.. وواشنطن تلمّح إلى الإدانة
تزامن الإعلان عن اعتقال “أبو لولو” مع جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي، حيث أعربت مارثا بوبي، مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة، عن قلق عميق من تصاعد العنف في السودان، ودعت إلى “وقف فوري للحرب وتجنيب المدنيين ويلات التصعيد”.
وفي الولايات المتحدة، كتب السيناتور جيم ريتش، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، على منصة “إكس”:
“الفظائع التي وقعت في الفاشر لم تكن صدفة، بل جزء من خطة قوات الدعم السريع منذ البداية”.
تصريحات ريتش تكشف عن اتجاه دولي متصاعد نحو تحميل الدعم السريع مسؤولية منهجية عن جرائم الحرب، بعد أن تجاوزت الانتهاكات حدود دارفور إلى مناطق كردفان والنيل الأبيض.
الانهيار الأخلاقي في حرب بلا سقف
قصة “أبو لولو” لا تعكس فقط فرداً مهووساً بالعنف، بل تكشف الانهيار البنيوي داخل قوات الدعم السريع، التي باتت تعمل كجماعات منفلتة أكثر منها جيشاً نظامياً.
فانتشار المقاطع المصوّرة دون خوف من المحاسبة يعني أن القتل تحوّل إلى أداة استعراض، وأن “الرعب” أصبح جزءاً من الهوية القتالية لهذه الميليشيا.
في المقابل، يظهر عجز القيادة المركزية للدعم السريع عن ضبط قواتها، أو ربما تواطؤها الضمني في سياسة الترهيب، ما يجعل أي محاولات للتبرؤ من جرائم مثل مجازر الفاشر مجرد مسرحية سياسية متأخرة.
خلاصة تحليلية
يشكل ظهور “أبو لولو” كرمز للعنف في دارفور انعكاساً لمستوى الانحدار الذي وصلت إليه الحرب في السودان، حيث يُكافأ القتلة بالترقيات، وتُدار المدن بالدمار لا بالقانون.
ومع أن اعتقاله المزعوم قد يبدو خطوة نحو العدالة، إلا أن غياب دولة القانون والمؤسسات يجعل من المحاسبة الحقيقية وهماً بعيداً.
الفاشر اليوم ليست مجرد مدينة منكوبة، بل مرآة تعكس سقوط الضمير الإنساني في حربٍ تحوّل فيها القتلة إلى قادة، والضحايا إلى أرقام في تقارير الأمم المتحدة.
اقرأ أيضا: الدور الإماراتي في حرب السودان: الرواية الرسمية مقابل الأدلة الدولية