بقلم/ سعيد مجاهد

شهدت مدينة السويداء جنوبي سوريا واحدة من أخطر التظاهرات التي تكشف حجم التشظي السياسي والاجتماعي الذي تمر به البلاد، حيث خرج مئات من أنصار الشيخ الدرزي حكمت الهجري، أحد مشايخ العقل الثلاثة للطائفة الدرزية، رافعين علم الاحتلال الإسرائيلي في ساحة الكرامة وسط المدينة، ومطلقين هتافات صادمة تستجدي تدخل تل أبيب في الشأن السوري الداخلي. 

هذه الخطوة لم تُقرأ فقط كتصعيد داخلي، بل كرسالة سياسية تحمل دلالات خطيرة عن محاولات تفكيك الدولة السورية من الداخل عبر أدوات محلية توظفها أجندات خارجية.

 

علم الاحتلال في قلب السويداء.. سقوط الرموز الوطنية

التظاهرة التي جرت تحت شعار “حق تقرير المصير” حملت مشاهد غير مسبوقة؛ صور حكمت الهجري رُفعت جنباً إلى جنب مع علم الاحتلال الإسرائيلي، بينما غاب العلم السوري الجديد، رمز الدولة بعد سقوط نظام الأسد. 

الأخطر أن شعارات المتظاهرين لم تتوقف عند حدود المطالب الإصلاحية، بل تجاوزت ذلك إلى دعوات علنية للتدخل الإسرائيلي، من قبيل: “الشعب يريد دخول إسرائيل” و”بدنا إسرائيل”. 

هذا المشهد مثّل ضربة موجعة لكل محاولات تعزيز وحدة الصف الوطني بعد التغير السياسي الكبير الذي شهدته البلاد في ديسمبر 2024 بسقوط نظام الأسد.

المفارقة أن الطائفة الدرزية تاريخياً كانت ركناً أصيلاً من النسيج الوطني السوري، لعبت دوراً بارزاً في الثورة السورية الكبرى عام 1925 ضد الاستعمار الفرنسي بقيادة سلطان باشا الأطرش، وهو ما جعل رفع علم الاحتلال الإسرائيلي في قلب السويداء حدثاً يصعب استيعابه، ويعكس حجم الانقسام داخل المجتمع المحلي نتيجة خطاب بعض القيادات الدينية المنحازة للخارج.

الانقسام الدرزي.. بين الهجري وخيار الوحدة الوطنية

الطائفة الدرزية في سوريا تتوزع مرجعيتها بين ثلاثة مشايخ عقل: حكمت الهجري، حمود الحناوي، ويوسف جربوع. وفي الوقت الذي انحاز فيه الحناوي وجربوع مراراً لخيار “الوحدة الوطنية” ورفض التدخل الأجنبي، خرج الهجري بخطاب متكرر يطالب علناً بتدخل إسرائيل ويشكرها على ما يسميه “اهتمامها بالدروز”. هذا الموقف الفردي جرى توظيفه سريعاً من قبل الاحتلال الإسرائيلي لتبرير تدخلاته العسكرية بذريعة “حماية الدروز”، وهو خطاب مفضوح يتناقض مع تاريخ الاحتلال المليء بالاعتداءات على سوريا أرضاً وشعباً.

الخطورة في أن خطاب الهجري يضرب صورة الطائفة بأكملها، إذ يسعى الاحتلال إلى تصويره كـ”الممثل الشرعي” لها، بينما غالبية المشايخ والوجهاء والناشطين أعلنوا رفضهم لهذه الطروحات، مؤكدين أن الدروز مكوّن أصيل لا يقبل الارتهان للخارج، وأن حمايتهم مسؤولية الدولة السورية حصراً.

الاحتلال واستغلال الفوضى.. ذرائع قديمة بثوب جديد

لم يتأخر الاحتلال الإسرائيلي في توظيف هذه التظاهرة، إذ تزامنت مع تصعيد عدوانه في الجولان ومحيط دمشق بذريعة “الدفاع عن الأقليات”. هذا النمط يعيد إلى الأذهان استراتيجيات الاحتلال القديمة التي طالما استخدمها لتبرير التدخل في دول الجوار، بدءاً من لبنان مروراً بسوريا وغزة.

دمشق من جانبها رفضت بشكل قاطع هذه الذرائع، وأكدت عبر الرئيس أحمد الشرع أن الدروز “أبناء الدولة السورية” وأن أي محاولة للتدخل الخارجي تمثل خرقاً لاتفاقية فصل القوات لعام 1974، وتهديداً مباشراً للسيادة السورية. الشرع شدد على أن إسرائيل “تستثمر في الفوضى الداخلية”، في وقت تعمل فيه الإدارة الجديدة على ترميم المؤسسات الأمنية والعسكرية بعد عقود من تدميرها في عهد الأسد.

السويداء بعد صدام الدماء.. أرض خصبة للاختراق

الأحداث الأخيرة تأتي على خلفية التوتر الكبير الذي شهدته السويداء منذ يوليو الماضي، حين اندلعت اشتباكات دامية بين مجموعات درزية وعشائر بدوية استمرت أسبوعاً وأسفرت عن مئات القتلى. وعلى الرغم من التوصل لوقف إطلاق نار، فإن حالة الفراغ الأمني والاحتقان الاجتماعي جعلت المحافظة أرضاً خصبة لاختراقات خارجية، وهو ما استثمره الاحتلال عبر توظيف خطاب الهجري لتكريس الانقسام وإضعاف ثقة الناس بالدولة.

رفع علم الاحتلال في هذه التظاهرة ليس مجرد “تصرف فردي” أو “رد فعل غاضب”، بل مؤشر على نجاح قوى خارجية في اختراق النسيج الاجتماعي، وتحويل الصراع من كونه مطلبياً محلياً إلى ورقة تفاوض بيد الاحتلال يلوح بها ضد دمشق.

الدولة الجديدة بين التحدي والاختبار

منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، تواجه الدولة السورية الجديدة تحدياً هائلاً يتمثل في إعادة بناء الثقة بين المركز والأطراف. والسويداء اليوم تمثل اختباراً حساساً، فهي محافظة لم تشهد حضوراً عسكرياً كثيفاً للنظام السابق، مما جعلها في السنوات الأخيرة عرضة لصعود المجموعات المسلحة والانقسامات الداخلية.

التعامل مع خطاب الهجري ومناصريه يتطلب مقاربة مزدوجة: من جهة الحزم الأمني لمنع أي محاولات لتفتيت الدولة أو فتح الباب للتدخل الخارجي، ومن جهة أخرى استيعاب القاعدة الشعبية الغاضبة عبر سياسات اجتماعية واقتصادية تعالج التهميش والفقر والبطالة. فالمعالجة الأمنية وحدها قد تزيد الشرخ، بينما الحلول التنموية والسياسية تعيد للسويداء دورها الوطني.

الخاتمة.. خنجر في ظهر سوريا

رفع علم الاحتلال الإسرائيلي في السويداء ليس حادثة عابرة، بل جرس إنذار يفضح حجم التحديات التي تواجه سوريا الجديدة. أنصار حكمت الهجري يتحولون، بوعي أو دون وعي، إلى خنجر مسموم في ظهر الدولة، عبر استجداء قوة لطالما سفكت دماء السوريين واحتلت أرضهم. وفي المقابل، فإن موقف بقية مشايخ الطائفة وقطاعاتها الشعبية الرافضة للتدخل الإسرائيلي يثبت أن الهوية الوطنية السورية لا تزال صامدة، وأن محاولات التفتيت لن تنجح ما دامت هناك قوى اجتماعية وسياسية تتمسك بخيار الدولة ووحدة الأرض والشعب.

السويداء اليوم أمام مفترق طرق: إما أن تنتصر لرايتها الوطنية وتقطع الطريق على المؤامرات، أو أن تنزلق إلى حضن الاحتلال الذي لم ولن يكون يوماً حامياً، بل جلاداً ينتظر لحظة الانقضاض.

اقرأ أيضًا : إصابات بأول مشاجرة بعد إقرار “قانون الإيجار” في مصر.. بوادر الفتنة في مصر؟