بقلم/ أحمد محمد أحمد
لم تمر سوى عشرة أيام على تصديق عبد الفتاح السيسي، في 4 أغسطس/آب الجاري، على قانون “الإيجار الجديد” (164 لسنة 2025)، حتى شهدت مصر أول مواجهة دموية بين مالك ومستأجر، لتتجسد المخاوف التي حذّر منها معارضو القانون.
الحادثة وقعت في مدينة كرداسة غرب القاهرة، حيث أصيب خمسة أشخاص بينهم المالك والمستأجر نفسه إثر مشاجرة بالخرطوش والأسلحة البيضاء عند محاولة المالك طرد المستأجر من شقته بنظام الإيجار القديم. هذه الواقعة، التي تبدو للوهلة الأولى نزاعًا فرديًا، تكشف عن بذور أزمة اجتماعية كبرى تهدد الاستقرار والسلم الأهلي في بلد يعيش أصلاً أزمات اقتصادية خانقة.

جذور الأزمة: من ضريبة 2008 إلى قانون 2025
تاريخيًا، أثارت قضية السكن موجات من الغضب الشعبي في مصر. ففي مايو/أيار 2008، أقر حسني مبارك قانون الضريبة العقارية، ما فاقم المخاوف من تهديد مساكن محدودي الدخل. اليوم، ومع صدور قانون الإيجار الجديد، تعود تلك المخاوف مضاعفة. ينص القانون على إنهاء عقود الإيجار القديمة للوحدات السكنية بعد سبع سنوات من العمل به، وخمس سنوات للوحدات غير السكنية، مع زيادة القيمة الإيجارية بنسبة 15% سنويًا. وبينما رحب الملاك بهذه “العدالة المتأخرة”، رأى المستأجرون أن القانون بمثابة حكم إعدام مؤجل لملايين الأسر الفقيرة والمتوسطة.
الأرقام الرسمية توضح حجم الكارثة: نحو 3 ملايين وحدة خاضعة للإيجار القديم، يعيش فيها أكثر من 6 ملايين شخص، أي ما يعادل 6.5% من سكان مصر. هؤلاء يواجهون بعد سبع سنوات خطر الإخلاء القسري في سوق عقاري منفلت الأسعار، حيث صار الحصول على شقة لائقـة حلمًا بعيد المنال.
انقسام اجتماعي: أفراح الملاك وغضب المستأجرين
القانون فجّر استقطابًا اجتماعيًا حادًا. الملاك، ومعظمهم من ورثة عقارات قديمة، اعتبروا أن القانون استعاد لهم حقوقًا “مسروقة” منذ عقود، حيث كانوا يتقاضون إيجارات زهيدة لا تتجاوز أحيانًا 20 أو 50 جنيهًا. في المقابل، يرى المستأجرون أن الدولة باعتهم في “صفقة” مع كبار المستثمرين والمطورين العقاريين، متجاهلة أوضاعهم المعيشية القاسية.
في حي شبرا مصر الشعبي، تقول “أم صابر” التي تسكن شقة آيلة للسقوط منذ ثمانينيات القرن الماضي: “من سيُعوَّض عند ترك الشقة؟ أنا أم ابنتي المطلقة أم عمها؟”. كلماتها تعكس معضلة اجتماعية حقيقية: أي من أفراد الأسرة له الحق في الشقة البديلة؟ ومن سيُلقى به في الشارع؟ في المقابل، يؤكد الحاج رضا، أحد الملاك: “القانون الجديد فرصة لاستعادة بيوتنا من مستأجرين لم تعد لهم أي صفة قانونية، بعضهم حوّل العقار إلى وكر للمخدرات”.
الحكومة بين المطرقة والسندان
الحكومة حاولت امتصاص الغضب بإعلانها عن وحدات بديلة للمستأجرين الأكثر استحقاقًا اعتبارًا من أكتوبر المقبل. لكنها في الوقت ذاته، تراهن على حصيلة مالية ضخمة من الضرائب العقارية والدخل بعد خضوع هذه الوحدات للجباية، حيث قدّرت جمعية خبراء الضرائب أن الحصيلة ستزيد 15 مليار جنيه في العام الأول فقط. هذا يثير الشكوك حول نوايا النظام: هل الهدف حل أزمة الإسكان، أم سد عجز الموازنة على حساب الفقراء؟
مخاطر أمنية ومجتمعية متصاعدة
حادثة كرداسة ليست سوى إنذار مبكر. خبراء حذروا من أن نهاية الفترات الانتقالية ستشهد موجة مشاجرات دامية بين الملاك والمستأجرين، خاصة في الأحياء الشعبية المكتظة. الباحث مصطفى خضري توقع “تصاعد النزاعات والخلافات وربما اندلاع احتجاجات”، مشيرًا إلى أن القانون قد يدفع ملايين الأسر نحو التشريد أو النزوح القسري، ويعمق الفجوة الطبقية.
الأخطر، بحسب خضري، هو البعد الأمني والسيادي. فهناك مخاوف من عودة ورثة يهود غادروا مصر في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، لرفع دعاوى تحكيم دولية لاستعادة عقاراتهم المؤجرة قديمًا، خصوصًا في مناطق وسط القاهرة المستهدفة بالإخلاء وإعادة البيع. هذه المخاطر قد تمنح الكيان الصهيوني موطئ قدم جديدًا داخل مصر، بغطاء استثماري إماراتي.
خطوات تفادي الانفجار
لتفادي سيناريو الانزلاق إلى فوضى اجتماعية، يقترح خبراء حلولاً عاجلة، منها:
- تفعيل لجان الوساطة المجتمعية لفض النزاعات مبكرًا.
- إطلاق حملات توعية وطنية لشرح القانون وحقوق الطرفين.
- توفير دعم قانوني وإنساني للفئات الأكثر هشاشة، بما في ذلك مساكن بديلة وتعويضات عادلة.
لكن نجاح هذه الحلول مرهون بمدى جدية النظام في التعامل مع الأزمة باعتبارها قضية أمن قومي، لا مجرد إجراء اقتصادي.
خاتمة: السيسي يفتح أبواب الفتنة
القانون الجديد يعكس مسارًا خطيرًا يتبعه نظام السيسي: تحميل الشعب أعباء الأزمة الاقتصادية مقابل مصالح الملاك وكبار المستثمرين. حادثة كرداسة لم تكن سوى بداية، وما لم تتحرك الحكومة بحكمة، فقد تتحول أزمة “الإيجار الجديد” إلى برميل بارود يهدد السلم الأهلي. المصريون يرون أن السيسي لا يحكم فقط بقبضة أمنية، بل يستعبدهم اقتصاديًا ويفجّر الفتن بين الملاك والمستأجرين، تاركًا ملايين الأسر أمام مصير مجهول. السؤال المطروح الآن: هل سيظل المواطن يدفع ثمن بقاء النظام، حتى ولو كان الثمن بيته وأمن أسرته؟
اقرأ أيضًا : دماء المصريين لن تجف.. 12 عاما على مجزرة رابعة