في أحد أكثر المواقف رمزية، هاجم مناهضون للاحتلال الإسرائيلي مطعماً جديداً يملكه مستوطن صهيوني في العاصمة اليونانية أثينا، عبر رش الطلاء وكتابة شعارات سياسية على جدرانه، في رسالة احتجاجية صريحة ضد الجرائم الإسرائيلية في غزة. 

هذا الفعل الاحتجاجي، الذي تم دون أي إصابة بشرية، يعكس عمق الغضب الشعبي الأوروبي إزاء استمرار الحرب على الفلسطينيين، وامتداد المقاومة خارج حدود الشرق الأوسط إلى الساحات الأوروبية العامة.

الطلاء بدل الرصاص.. رسالة سياسية في قلب أثينا

وفق ما أوردته وسائل إعلام يونانية، اقتحم ستة شبّان ملثّمين مطعم “كينغ داوود برغر”، الذي يملكه مستوطن إسرائيلي، ويقع في إحدى الساحات السياحية الحيوية في أثينا. لم يكن الهدف إيذاء العاملين أو تخريب المكان بشكل همجي، بل كانت الرسالة واضحة: التضامن مع الفلسطينيين ورفض الاحتلال الإسرائيلي.

قام المحتجون بإلقاء منشورات تهاجم الاحتلال، وكتبوا على مدخل المطعم عبارات مثل: “لا يوجد صهيوني آمن هنا”، ورسموا شعارات مناهضة للصهيونية ومؤيدة للمقاومة الفلسطينية باستخدام الطلاء. وقد ترافقت هذه الخطوة مع هتافات حماسية تندد بالمجازر الجارية في قطاع غزة منذ أكثر من تسعة أشهر، ما حول الفعل إلى ما يشبه العرض الاحتجاجي الصامت لكنه فاعل.

بعد دقائق معدودة، غادر المهاجمون المكان دون الاعتداء على أي من الموظفين أو الزبائن، مما يشير إلى أن الهدف كان رمزياً بالأساس، ورسالة واضحة بأن الصهيونية لن تمر بهدوء حتى في شوارع العواصم الغربية.

اليونان.. جبهة احتجاج أوروبية ضد الاحتلال

الهجوم على المطعم الإسرائيلي لم يكن حدثاً معزولاً، بل يأتي في سياق سلسلة من الاحتجاجات المتصاعدة في اليونان ضد العدوان الإسرائيلي المتواصل على غزة. فمنذ أكتوبر 2023، شهدت العاصمة أثينا ومدن أخرى تظاهرات حاشدة خرج فيها آلاف المواطنين اليونانيين والمتضامنين الأجانب، مطالبين بوقف الحرب ورفع الحصار عن القطاع المنكوب.

وتحظى القضية الفلسطينية بتعاطف واسع في اليونان، خاصة بين الحركات الطلابية واليسارية والناشطين المستقلين، وهو ما يفسر تكرار الفعاليات المناهضة للاحتلال أمام السفارة الإسرائيلية، وفي الجامعات، والآن حتى في الشوارع التجارية والسياحية.

كما أن المطعم الذي تعرض للهجوم لا يخلو من رمزية، إذ يحمل اسم “الملك داوود” ويقدّم وجبات “كوشير”، أي الملتزمة بقواعد الشريعة اليهودية، ما اعتُبر من قبل الناشطين بمثابة محاولة لبناء حضور رمزي صهيوني في الفضاء العام الأوروبي.

وقد دعت بعض الحركات اليسارية إلى مقاطعة المؤسسات التي يملكها أو يديرها إسرائيليون يدعمون الاحتلال، مؤكدين أن التضامن مع غزة يجب أن يتجاوز الشعارات إلى أفعال ملموسة تعرقل تطبيع الاحتلال في الخارج.

ردود الفعل وتحقيقات الشرطة

فور مغادرة النشطاء، وصلت قوات الشرطة اليونانية إلى مكان الحادث وفتحت تحقيقًا في الواقعة، دون أن تعلن حتى الآن عن اعتقالات أو تحديد هويات المهاجمين. ورغم أن المطعم أعلن أنه سيتابع نشاطه بشكل طبيعي، فإن الواقعة أثارت ضجة إعلامية وجدلًا سياسيًا بين من يعتبرها فعلًا احتجاجيًا مشروعًا ضد الاحتلال، وبين من يراها تخريبًا مدانًا.

وبينما لم يصدر تعليق رسمي من السفارة الإسرائيلية في اليونان حتى اللحظة، فإن الصحافة العبرية تناولت الخبر بكثير من القلق، معتبرة أن “الكراهية ضد الإسرائيليين تتفشى في أوروبا”، ما يعكس قلقًا متزايدًا داخل الأوساط الصهيونية من امتداد التأثير الشعبي المناهض للاحتلال إلى المجال الاقتصادي والاجتماعي في العواصم الغربية.

خاتمة: الطلاء أداة مقاومة؟

الهجوم الرمزي على مطعم يملكه مستوطن في أثينا يعيد التأكيد على أن التضامن مع فلسطين لا يعرف حدودًا جغرافية، وأن الشعوب الحرة قادرة على تحويل أدوات بسيطة مثل الطلاء والهتاف إلى سلاح رمزي فاعل في مواجهة آلة الإبادة. كما أنه يؤكد أن المعركة ضد الاحتلال باتت متعددة الأوجه: من المقاومة في غزة، إلى المقاطعة الاقتصادية في الغرب، إلى الاحتجاج في الشوارع.

وفي ظل استمرار العدوان على غزة وصمت رسمي دولي مخزٍ، قد تصبح مثل هذه التحركات الشعبية الوسيلة الوحيدة المتبقية لتذكير العالم بأن فلسطين لم تُنس، وأن الاحتلال لن يحظى بالشرعية حتى في أكثر العواصم الأوروبية انفتاحًا.

اقرأ أيضًا : احتلال بصفة استثمار: الإمارات تستحوذ على أرامكس مصر رسميا