في الوقت الذي يواصل فيه الاحتلال الإسرائيلي حربه الدموية على قطاع غزة، ويصعّد من استهدافه للمدنيين والمدارس والمستشفيات، فجّرت الحكومة المصرية موجة غضب داخلي بإعلانها عن إبرام اتفاقية لاستيراد الغاز من الاحتلال، تصل قيمتها إلى نحو 35 مليار دولار وتمتد حتى عام 2040. 

الصفقة، التي وُصفت من قبل معارضين بأنها “مكافأة لنتنياهو على المجازر”، فتحت بابًا واسعًا للنقاش حول أولويات السياسة المصرية، ومدى توافقها مع الموقف الشعبي المناهض للتطبيع وداعم القضية الفلسطينية.

صفقة تمويل الاحتلال وتبرير غير مقنع

الاتفاق الجديد يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ تزامن مع إعلان الاحتلال عن خطته لاحتلال قطاع غزة بالكامل، في خطوة يعتبرها مراقبون تهديدًا وجوديًا للأمن القومي المصري. حزب التحالف الشعبي الاشتراكي كان من أوائل الكيانات السياسية التي أعلنت رفضها للصفقة، واعتبرها “صدمة كبرى” للشعب المصري.

وفي بيان رسمي، أوضح الحزب أن الحكومة المصرية كانت قد أعلنت عام 2018 تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز بفضل حقل ظهر، لكن التراجع الكبير في الإنتاج المحلي خلال السنوات الأخيرة جعلها تعود للاعتماد على واردات الغاز من إسرائيل. ورأى الحزب أن هذا الاعتماد ليس مجرد خيار اقتصادي، بل تحوّل إلى ورقة ضغط سياسية يستخدمها الاحتلال ضد القاهرة، واصفًا استمرار هذه العلاقة الاقتصادية بـ”الخطر الداهم” على المصالح الوطنية.

ودعا الحزب إلى الإلغاء الفوري للاتفاق وقطع جميع العلاقات السياسية والاقتصادية مع الاحتلال، مشددًا على أن أي تعامل اقتصادي في ظل حرب الإبادة الجارية في غزة يمثل دعمًا مباشرًا لآلة القتل الإسرائيلية.

صفقة الخزي وتهديد الأمن القومي

حزب تيار الأمل (تحت التأسيس) ذهب أبعد من ذلك في لهجته، واعتبر أن الصفقة تمثل “خزيًا ووصمة عار” في تاريخ مصر الحديث، واصفًا إياها بأنها تمويل مباشر للحرب الإسرائيلية على غزة. الحزب حذر من أن الاحتلال الكامل لغزة، إذا تم، سيخلق وضعًا استراتيجيًا جديدًا يهدد العمق الأمني المصري، خاصة في سيناء، ويقوّض أي ترتيبات إقليمية لحماية الحدود الشرقية.

وأكد الحزب أن القضية الفلسطينية ليست مسألة تضامن إنساني فحسب، بل هي قضية أمن قومي لمصر، وأن أي تفريط فيها هو بمثابة فتح الباب أمام تهديدات مباشرة لسلامة الأراضي المصرية.

الاشتراكيون الثوريون: مكافأة لقاتل الأطفال

أما حركة الاشتراكيين الثوريين فقد صاغت موقفها بلهجة أكثر حدة، واعتبرت الصفقة “تصعيدًا اقتصاديًا” لصالح الاحتلال في ذروة المجازر. الحركة وصفت الاتفاق بأنه “مكافأة علنية للمجرم نتنياهو”، الذي يقود جيشه لدفن العائلات الفلسطينية تحت الأنقاض، مستهدفا المدارس والمستشفيات في حملة إبادة جماعية غير مسبوقة.

وأشارت الحركة في بيانها إلى أن الدعم الحقيقي لغزة لا يكون بالشعارات الفارغة، بل بخطوات عملية تبدأ بمقاطعة الاحتلال، ووقف استيراد الغاز منه، وفتح المعابر أمام المساعدات، والإفراج عن كل المعتقلين في مصر الذين شاركوا في فعاليات دعم فلسطين.

حقل ظهر ونهاية حلم الاكتفاء الذاتي

الحكومة المصرية كانت قد قدّمت حقل ظهر عام 2018 كـ”مشروع القرن”، وأعلنت حينها تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز، بل والتطلع لتصدير الفائض. لكن الواقع تغيّر سريعًا، فخلال السنوات الأخيرة انخفض الإنتاج المحلي بشكل حاد، ما دفع مصر إلى استيراد الغاز، حتى من إسرائيل، لتعويض النقص.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2023، استقبلت مصر أول شحنة غاز مسال منذ يوليو، لتعويض التراجع في الإمدادات الإسرائيلية المؤقتة نتيجة الحرب في غزة، وهو ما كشف هشاشة الموقف الطاقوي المصري، وزاد التساؤلات حول حقيقة وعود الحكومة بشأن الاكتفاء الذاتي.

خيانة السيسي وخطاب التطبيع

المعارضة المصرية لا ترى الصفقة مجرد إجراء اقتصادي، بل تعتبرها جزءًا من سياسة تطبيعية متصاعدة يقودها نظام عبد الفتاح السيسي، الذي لم يتردد في تعزيز علاقاته الاقتصادية والأمنية مع الاحتلال حتى في أوقات ذروة عدوانه على الشعب الفلسطيني.

منتقدو السيسي يشيرون إلى أن هذه الصفقة تتناقض جذريًا مع المزاج الشعبي المصري، الذي ظل تاريخيًا داعمًا لفلسطين ورافضًا لأي تطبيع. كما يعتبرون أن النظام يستخدم العلاقات مع الاحتلال كورقة لترضية الولايات المتحدة وحلفائها، على حساب الكرامة الوطنية والأمن القومي.

المقاطعة كسلاح سياسي

في مقابل هذا المسار الرسمي، تدعو القوى المعارضة إلى تبني استراتيجية مقاطعة شاملة للاحتلال، على غرار حركات المقاطعة العالمية (BDS)، باعتبارها أداة فعالة للضغط السياسي والاقتصادي. هذه الدعوات لا تستهدف فقط وقف استيراد الغاز، بل تمتد إلى وقف أي شكل من أشكال التعاون أو الشراكة مع الشركات الإسرائيلية أو الشركات العالمية المتواطئة في جرائم الاحتلال.

وتؤكد هذه الأحزاب والحركات أن مصر، بتاريخها وثقلها الإقليمي، قادرة على أن تكون في طليعة الدول التي تحاصر الاحتلال اقتصاديًا، بدلاً من أن تتحول إلى شريان مالي يغذيه في لحظات ضعفه.

خاتمة: صفقة في ميزان التاريخ

تتفق القوى المعارضة على أن صفقة الغاز مع الاحتلال ستظل نقطة سوداء في سجل السياسة المصرية إذا استمرت، خصوصًا أنها جاءت في لحظة تاريخية يتعرض فيها الشعب الفلسطيني لأبشع صور الإبادة. وبينما يسوّق النظام الاتفاق على أنه مصلحة اقتصادية، ترى المعارضة أن الثمن الحقيقي هو فقدان مصر لدورها العربي التاريخي، وإعطاء الاحتلال قبلة حياة في وقت يسعى فيه العالم لعزله.

وبين خطاب السلطة المبرر وخطاب الشارع الغاضب، تبقى الحقيقة أن كل متر مكعب من الغاز المستورد من إسرائيل هو رسالة سياسية قبل أن يكون سلعة اقتصادية، وأن هذه الرسالة، في زمن المجازر، تعني شيئًا واحدًا: خيانة دماء غزة.

اقرأ أيضًا : الاحتلال يواصل تهويد القدس.. اقتحامات للأقصى وشق طريق استيطاني شمال العاصمة وسط صمت السلطة