في مشهد يعكس إصرار الاحتلال على فرض سيطرته الكاملة على المسجد الأقصى، اقتحم عشرات المستوطنين المتطرفين صباح اليوم الأحد باحات المسجد، تحت حماية أمنية مشددة من قوات وشرطة الاحتلال الإسرائيلي. وأفادت مصادر للجزيرة أن المستوطنين دخلوا من جهة باب المغاربة على شكل مجموعات متتابعة، ونفذوا جولات استفزازية وطقوسًا تلمودية علنية في المنطقة الشرقية قرب مصلى باب الرحمة، في تحدٍّ صارخ لمشاعر ملايين المسلمين حول العالم.
الاقتحامات التي باتت شبه يومية لم تعد مجرد اعتداءات دينية، بل أضحت جزءًا من سياسة منهجية تهدف لفرض تقسيم زماني ومكاني للمسجد، وتحويله إلى ساحة تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة. شرطة الاحتلال المتمركزة على الأبواب مارست دور الحارس الأمين للمستوطنين، عبر منع المصلين الفلسطينيين من الدخول خلال فترة الاقتحام، في محاولة لإخلاء الأقصى من رواده وتفريغه أمام المستوطنين، وهو أسلوب بات يتكرر منذ سنوات في إطار سياسة “الأقصى لليهود، والمصلين المسلمين في الخارج”.
اللافت أن الاقتحامات تأتي في ظل تصعيد واضح على الأرض، إذ تتزامن مع تكثيف الاحتلال مشاريعه الاستيطانية في القدس المحتلة، وهو ما يربط بين الاعتداء على المسجد ومخططات التهويد الأوسع. هذه السياسة تنسجم مع الأجندة اليمينية المتطرفة لحكومة الاحتلال بقيادة بنيامين نتنياهو، ووزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، الذي لا يخفي رغبته في فرض واقع جديد في الأقصى تمهيدًا لبناء “الهيكل المزعوم”.

شق طريق استيطاني شمال القدس.. تهويد ممنهج وتغيير للمعالم
في سياق متصل، شرعت آليات الاحتلال صباح اليوم الأحد في تنفيذ مشروع استيطاني جديد يتمثل في شق شارع استيطاني على أراضي بلدة حزما شمال شرقي القدس المحتلة، وسط حماية عسكرية كثيفة. وذكرت محافظة القدس أن هذه الخطوة تأتي في إطار مخطط شامل لتغيير معالم المنطقة وربط المستوطنات المحيطة بشبكة طرق تؤمن حركة المستوطنين وتقطع أوصال القرى الفلسطينية.
وبحسب بيان المحافظة، فإن المشروع يستند إلى قرار صادر عن سلطات الاحتلال في 25 يونيو/حزيران الماضي، يقضي بالاستيلاء على الشارع المحاذي لوادي أزريق، ابتداءً من الطريق الرئيسي المؤدي إلى بلدة جبع وصولًا إلى منطقة العقبات، إضافة إلى مساحات واسعة من الأراضي المجاورة.
هذا النوع من المشاريع ليس مجرد تحسين للبنية التحتية كما يزعم الاحتلال، بل هو أداة استراتيجية لفرض وقائع جديدة على الأرض، من خلال مصادرة الأراضي، وعزل القرى، وتحويلها إلى جيوب محاصرة، بما يخدم مخطط الضم الزاحف للقدس ومحيطها. والأخطر أن هذه الطرق تمثل شرايين حياة للمستوطنات، وفي المقابل، تحاصر السكان الفلسطينيين وتمنع تمددهم العمراني والزراعي.
القدس، وفق هذه الخطط، تتحول تدريجيًا إلى مركز استيطاني ضخم، فيما يُدفع الفلسطينيون نحو الهامش أو نحو التهجير القسري غير المعلن. وهذا يندرج ضمن المشروع الصهيوني الأشمل الذي يعتبر أن السيطرة على القدس ليست فقط بالاستيطان داخلها، بل أيضًا بإحكام الطوق حولها من الشمال والجنوب والشرق.
إجرام الاحتلال وصمت السلطة.. شراكة في تفريغ القدس
ما يجري اليوم في الأقصى وحزما ليس معزولًا عن حالة الانهيار السياسي الفلسطيني، التي جعلت الاحتلال يتمادى في جرائمه بلا رادع حقيقي. فبينما تستباح القدس علنًا، تكتفي السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس ببيانات إدانة باهتة، دون أي تحرك فعلي على الأرض أو في المحافل الدولية.
السلطة التي يفترض أن تمثل الفلسطينيين، غارقة في تنسيق أمني مع الاحتلال، الأمر الذي يسهّل عملياته الاستيطانية ويمنحه غطاءً ضمنيًا. بل إن استمرار التنسيق الأمني، وغياب أي استراتيجية مقاومة أو دعم جاد للمقدسيين، جعل الاحتلال يدرك أن تكلفة التهويد منخفضة، وأن أقصى ما سيواجهه هو استنكار إعلامي أو خطاب في الأمم المتحدة.
هذه الخيانة السياسية لا تقل خطرًا عن جرافات الاحتلال، لأنها تسلب الشعب الفلسطيني حقه في الدفاع عن أرضه ومقدساته، وتمنح الاحتلال الوقت والفرصة لإنجاز مشاريعه الاستيطانية. في المقابل، يواصل المقدسيون وحدهم، بصمودهم اليومي ورباطهم في الأقصى، الدفاع عن هوية المدينة، رغم القمع والاعتقالات والهدم ومصادرة الأراضي.
الاحتلال يراهن على أن الضغط الاقتصادي والاجتماعي، إلى جانب التضييق الأمني، سيدفع المقدسيين للاستسلام أو الرحيل. لكن التجارب السابقة أثبتت أن هذه المدينة عصية على التهجير، وأن محاولات الأسرلة والتطويع فشلت مرارًا أمام إرادة أهلها. ومع ذلك، فإن استمرار الوضع الراهن، مع غياب الدعم العربي والإسلامي الجاد، وتواطؤ السلطة، قد يسرّع من فرض وقائع يصعب التراجع عنها مستقبلاً.
خاتمة
الاقتحامات اليومية للأقصى وشق الطرق الاستيطانية في القدس ليست أحداثًا منفصلة، بل هي حلقات في مشروع تهويدي شامل يسعى لطمس الهوية العربية والإسلامية للمدينة، وتحويلها إلى عاصمة حصرية للاحتلال. وما لم يكن هناك موقف فلسطيني موحد وإرادة عربية وإسلامية تتجاوز حدود الخطابات، فإن الاحتلال سيواصل فرض معادلاته على الأرض، مستفيدًا من انقسام الصف الفلسطيني وصمت القيادة الرسمية.
اليوم، القدس تنزف بين جرافات الاستيطان وأقدام المستوطنين، والمشهد لا يكتمل إلا بصورة محمود عباس، الذي يقف متفرجًا – وربما شريكًا بالصمت – فيما العاصمة الفلسطينية تُسرق حجرًا حجرًا، وبابًا بابًا، حتى آخر مئذنة في الأقصى.
اقرأ أيضًا : حساب سعودي شهير يفضح “خيانة السيسي”: صفقة الغاز مع إسرائيل أكبر دعم لتل أبيب منذ 7 أكتوبر