في مقابلة مطولة فتح المستشار أحمد مكي، وزير العدل المصري الأسبق في عهد الرئيس محمد مرسي، صندوق الأسرار المغلق لعقود، كاشفًا عن تفاصيل غير مسبوقة من كواليس الصراع بين السلطة القضائية وأجهزة الدولة العميقة في مصر، منذ عصر مبارك مرورًا بالمرحلة الانتقالية، وصولًا إلى لحظة الانقلاب على أول رئيس مدني منتخب.
شهادته لم تكن مجرد سرد للتاريخ، بل توثيق حيوي لحرب خفية دارت بين القضاة المستقلين من جهة، والأجهزة الأمنية والسياسية من جهة أخرى.

“العدالة المخنوقة”.. كيف أفشلت السلطة مطالب استقلال القضاء؟
منذ أولى محاولاته في مؤتمر العدالة عام 1986، كشف مكي أن النظام، ورغم إبداء موافقة شكلية على مطالب القضاة، سعى إلى احتواء هذه التحركات ثم الإجهاز عليها لاحقًا. فبعد تقديمه مذكرة تطالب بإنهاء حالة الطوارئ، فوجئ بإطاحة المستشار يحيى الرفاعي الذي قاد المبادرة. وزير الداخلية حينها، زكي بدر، أوهم مبارك أن رفع الطوارئ تهديد للأمن، بينما كانت بدائل قانونية جاهزة لتأمين الدولة دون قمع الحريات.
استمرت المواجهة في محطات عدة، أبرزها انتخابات 2005، حين أظهر القضاة شجاعة نادرة في كشف التزوير، وهو ما تسبب في قمع ممنهج لهم لاحقًا، شمل محاكمات تأديبية لرموز قضائية مثل محمود مكي وهشام البسطويسي، وتنبيهات وتحقيقات ضد أحمد مكي وحسام الغرياني، بذريعة تصريحاتهم. هنا تتضح طبيعة الصراع: لم تكن الدولة تتحمل استقلالًا فعليًا للقضاء، بل كانت تسعى لتطويعه ضمن شبكة ولاءات خاضعة للداخلية.
“دولة الأمن لا تعترف بالحكومة”.. من وزارة العدل إلى جهاز الشرطة
عندما تولى أحمد مكي وزارة العدل بعد الثورة، واجه واقعًا صادمًا: الحكومة لا تملك أدوات السلطة الفعلية، وأجهزة الأمن لا تنصاع لأوامرها. في واحدة من أبرز محطات الشهادة، قال مكي: “أنا غمد فارغ بلا سيف”، في إشارة إلى أن العدالة بلا أدوات تنفيذ هي مجرد شعار فارغ.
روى مكي كيف أن النيابة كانت تُجبر على الإفراج عن متهمين في قضايا اعتداء على مقار حكومية، بسبب ضعف محاضر الشرطة، متهمًا الأجهزة الأمنية بالتواطؤ. بل إن التظاهرات التي خرجت ضده من موظفي وزارته، قادتها عناصر أمن الدولة، وهدفت لمنعه من دخول مقر عمله، في تكرار لممارسات الدولة البوليسية التي لم تتغير رغم الثورة.
كما كشفت شهادته أن أجهزة الأمن امتدت في تدخلها لتشمل الحياة الشخصية لأبناء القضاة، كما حدث مع أبناء المستشار أحمد سليمان، الذي عُوقب أبناؤه بالفصل من النيابة والطب الشرعي ومنعوا من العمل، فقط لكونهم من عائلة قاضٍ معارض للانقلاب.
من الاستقلال إلى الاستهداف.. كيف سقط مشروع إصلاح القضاء؟
رغم أن مكي لم يكن محسوبًا على جماعة الإخوان، بل دخل الوزارة بمعزل عنهم، فإنه سرعان ما وجد نفسه بين نارين: ضغوط الجماعة من جهة، وتمرد أجهزة الدولة من جهة أخرى. رفضه لإقالة النائب العام عبد المجيد محمود، وتأكيده على مبدأ سيادة القانون، جعله موضع سخط من داخل السلطة وخارجها.
حين شكّل لجنة لإعداد مشروع قانون السلطة القضائية، بمشاركة أحمد سليمان، واجهت اللجنة حصارًا سياسيًا، حتى أن المشير طنطاوي ورئيس الوزراء قاطعوا اجتماعاتها، قبل أن تنتهي بسطوة أحمد الزند، الخصم الشرس لاستقلال القضاء، ويُجهض المشروع بالكامل.
ويبدو أن أجهزة الدولة لم تكن تكتفي بإفشال المبادرات، بل تحولت لملاحقة الأفراد. فعندما رشّح مكي المستشار أحمد سليمان لخلافته في الوزارة، لاحقت الدولة سليمان وأسرته، وبلغ التضييق أن جهاز أمن الدولة تدخل لمنع إقامة حفل زفاف ابنه، باعتباره “تجمعًا سياسيًا”، بحسب رواية مكي، في واحدة من أكثر الشهادات دلالة على تغول الأجهزة على الحياة الخاصة.
خاتمة تحليلية
شهادة المستشار أحمد مكي ليست فقط وثيقة من داخل دهاليز العدالة المصرية، بل هي مرآة صادقة لحقيقة الدولة العميقة التي تتغذى على ضعف المؤسسات وتخشى من استقلالها. الصراع بين القضاء الحر والدولة الأمنية لم يبدأ مع الثورة، ولن ينتهي بانقلاب، بل هو صراع على هوية الدولة نفسها: هل تكون دولة قانون ومساءلة؟ أم دولة أمن تكمم الأفواه وتعاقب الشرفاء؟
هذه الشهادة تكشف أن القضاة الأحرار –أمثال مكي وسليمان والبسطويسي– لم يخسروا فقط مواقعهم، بل حُوربوا في حياتهم ومعيشة أبنائهم. وما لم تُكسر قبضة الأجهزة الأمنية عن السلطة القضائية، فسيظل الاستقلال حلمًا معلقًا، وستظل العدالة، كما وصفها مكي، “سيفًا بلا غمد.. أو غمدًا بلا سيف”.
اقرأ أيضًا : احتلال بصفة استثمار: الإمارات تستحوذ على أرامكس مصر رسميا