في الوقت الذي تضيق فيه الحلقات الدولية حول شبكات الإمداد العسكري في النزاع السوداني، برزت إلى السطح حملة إماراتية مكثفة تستهدف ما تسميه “شبكات المشتريات العسكرية التابعة للقوات المسلحة السودانية”. ورغم أن ظاهر التحرك يبدو كأنه التزام بالقرارات الدولية، إلا أن القراءة المتأنية في السياق الجيوسياسي تكشف عن استراتيجية إماراتية قديمة ومتجددة، تعتمد على إثارة “اتهامات مضادة” لصرف الأنظار عن الاتهامات الأكثر خطورة والموثقة دولياً بشأن دور أبوظبي المحوري في دعم وتذخير ميليشيا الدعم السريع.

تكتيك التشتيت: رفع الصوت لإخفاء الحقيقة

تعتمد السياسة الخارجية الإماراتية في إدارة الأزمات على تكتيك “الهجوم خير وسيلة للدفاع”، وتحديداً ما يمكن تسميته بـ “تكتيك التشتيت”. فحينما واجهت أبوظبي ضغوطاً متزايدة وتقارير من خبراء الأمم المتحدة تثبت وجود ممرات لوجستية وقواعد إمداد في دول الجوار (مثل تشاد وأفريقيا الوسطى) مخصصة لدعم ميليشيا الدعم السريع بالسلاح والوقود، سارعت الماكينة الدبلوماسية والإعلامية الإماراتية إلى فتح ملف مشتريات الجيش السوداني.

هذا التحرك ليس مجرد إجراء قانوني، بل هو محاولة لخلط الأوراق ومساواة مؤسسة عسكرية وطنية بميليشيا مرتزقة عابرة للحدود. الهدف هنا هو إحداث حالة من “الضجيج المعلوماتي” الذي يجعل المراقب الدولي يرى طرفين يتبادلان الاتهامات بخرق حظر التسليح، مما يميّع القضية الأساسية وهي الدعم الإماراتي النوعي والمستمر لميليشيا “آل دقلو”.

الميليشيا الإماراتية المرتزقة: الشراكة الاستراتيجية

إن الربط بين الميليشيا والإمارات لم يعد مجرد استنتاجات صحفية، بل صار حقيقة ميدانية تثبتها بقايا الصواريخ والطائرات المسيرة التي تهاجم المدن السودانية. الإمارات لا تدعم الميليشيا كمجرد حليف عابر، بل تعاملها كـ “شركة أمنية كبرى” وذراع مرتزقة يحمي مصالحها في الذهب والموانئ والمشاريع الزراعية.

لذلك، فإن الهجوم الإماراتي على شبكات شراء السلاح التابعة للجيش السوداني يهدف إلى تجريد الدولة السودانية من حقها الطبيعي في الدفاع عن النفس وتأمين احتياجاتها الدفاعية، في مقابل استمرار تدفق السلاح للميليشيا عبر “قنوات خلفية” غير مرصودة أو تحت غطاء المساعدات الإنسانية، كما حدث في مطار “أم جرس”.

الهروب إلى الأمام من العقوبات الدولية

تدرك أبوظبي أن ملف السودان بدأ يتحول إلى عبء أخلاقي وسياسي في العواصم الغربية، خاصة مع تزايد التقارير حول جرائم الحرب في دارفور والخرطوم. ومن هنا، يأتي “القمع” الإماراتي المزعوم لشبكات شراء الجيش السوداني كرسالة للمجتمع الدولي مفادها أن الإمارات “شريك في مكافحة تهريب السلاح”.

هذا النوع من “الهروب إلى الأمام” يهدف إلى استباق أي عقوبات قد تطال الكيانات الإماراتية المتورطة في دعم الميليشيا. ومن خلال ملاحقة أفراد أو شركات يُزعم ارتباطها بالجيش السوداني، تحاول الإمارات تقديم نفسها كـ “شرطي مرور” دولي، بينما هي في الواقع المحرك الرئيسي لمحركات الحرب التي تقودها الميليشيا المرتزقة.

ارتهان السيادة وتفكيك الدولة

إن الخطورة في التكتيك الإماراتي لا تكمن فقط في التضليل الإعلامي، بل في كونه جزءاً من مشروع أشمل يهدف إلى “تفكيك الدولة السودانية” من الداخل. فعندما تُحرم المؤسسة العسكرية الوطنية من وسائل الدفاع وتُحاصر دولياً بوشاية من الدولة الداعمة للميليشيا، فإن النتيجة الحتمية هي إضعاف سيادة الدولة وفسح المجال لشبكات الارتزاق العابر للحدود لتتصدر المشهد.

إنها عملية “تبادل أدوار” مكشوفة؛ الميليشيا تقاتل على الأرض بالمال والسلاح الإماراتي، وأبوظبي تقاتل في الغرف الدبلوماسية والمؤسسات المالية لتجفيف منابع الجيش السوداني تحت دعاوى النزاهة الدولية.

الخلاصة: الحقيقة خلف الدخان

في نهاية المطاف، يبقى التكتيك الإماراتي القائم على إثارة الاتهامات المضادة وسيلة “مجربة وناجحة” في قاموس الدبلوماسية الإماراتية لتشتيت الانتباه عن الانتهاكات الكبرى. إلا أن الواقع في السودان يتجاوز قدرة التضليل على الحجب؛ فدماء السودانيين والدمار الذي خلفته “الميليشيا الإماراتية المرتزقة” يتحدث بصوت أعلى من أي اتهامات مختلقة. إن محاولة خنق قدرات الجيش السوداني الدفاعية بالتوازي مع تسليح الميليشيا، هي الجريمة الكبرى التي تحاول أبوظبي التغطية عليها عبر هذه الحملات المسرحية، مما يؤكد أن الإمارات باتت طرفاً مباشراً في الحرب، لا وسيطاً ولا شريكاً في السلام.

اقرأ أيضًا : نتنياهو يترنح تحت وطأة الفشل: البحث عن “كبش فداء” للتغطية على هزيمة الاحتلال في لبنان