في مشهد يعكس بوضوح تداخل الدين بالسياسة في الولايات المتحدة، ظهر وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، على شاشة “فوكس نيوز” وهو يحمل على جبهته علامة “أربعاء الرماد”، وذلك أثناء تحذيره لحركة المقاومة الفلسطينية (حماس) من تجاهل تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. 

لم يكن هذا الظهور مجرد مصادفة، بل يحمل في طياته دلالات عميقة حول كيفية استغلال المسؤولين الأمريكيين الرموز الدينية في خدمة أجنداتهم السياسية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالقضايا الدولية.

روبيو لم يكتفِ بإبداء موقف سياسي أو تقديم تحذير دبلوماسي، بل حرص على إرفاق تصريحاته بعنصر ديني يضفي طابعًا مقدسًا على تهديداته. 

إذ شدد على أن ترامب “نفد صبره” إزاء قضية الأسرى الإسرائيليين المحتجزين لدى حماس، في رسالة واضحة مفادها أن الولايات المتحدة مستعدة لاتخاذ خطوات تصعيدية في هذا الملف. 

لكن ما يثير التساؤل هو: لماذا اختار روبيو أن يوجه هذه التهديدات في يوم ديني مقدس؟ وهل كان هذا مجرد تزامن، أم أن هناك استراتيجية أمريكية أعمق توظف الدين في معاركها السياسية والعسكرية؟

الإرهاب الأمريكي في ثوب الوعظ

لطالما استخدمت الولايات المتحدة الدين كأداة لإضفاء طابع “المهمة المقدسة” على سياساتها، خاصة في الشرق الأوسط، فمنذ الغزو الأمريكي للعراق، ومرورًا بالحروب في أفغانستان، وانتهاءً بالدعم المطلق لإسرائيل، كان الخطاب الأمريكي يحمل بين طياته إشارات دينية تبرر التدخلات العسكرية والسياسية تحت غطاء “العدالة الإلهية” أو “حماية الديمقراطية”. 

لكن مع روبيو، بدت الأمور أكثر وضوحًا، حيث لم يكتفِ بالإشارة إلى التزامه الديني، بل استخدمه كأداة لفرض الضغط السياسي.

هذا الخطاب المزدوج، الذي يتظاهر بالدفاع عن القيم الإنسانية بينما يمارس سياسات عدوانية، يوضح طبيعة الاستراتيجية الأمريكية في التعامل مع القضايا الدولية. فبينما تهاجم واشنطن الحركات الإسلامية بحجة “التطرف الديني”، لا تجد أي حرج في توظيف الرموز المسيحية لمنح تهديداتها شرعية دينية. 

إذا كانت “حماس” تُصنف كحركة “إرهابية” من قبل الولايات المتحدة بسبب أيديولوجيتها الإسلامية، فكيف يمكن تفسير تهديدات وزير الخارجية الأمريكي التي جاءت مغلفة بغطاء ديني مسيحي؟ أليس هذا جزءًا من سياسة الترهيب الأمريكي ضد المقاومة الفلسطينية؟

إضافةً إلى ذلك، فإن تصريحات روبيو جاءت في وقت تتصاعد فيه الضغوط على حركة حماس، سواء من خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، أو عبر الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية الدولية.

وهو ما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت إدارة ترامب تستعد لاتخاذ خطوات أكثر عدوانية ضد المقاومة الفلسطينية، مستغلة التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط كذريعة لتبرير أي تصعيد محتمل.

عندما يصبح الدين غطاءً للهيمنة

ربما لم يكن روبيو أول مسؤول أمريكي يظهر بهذه الرمزية الدينية، فقد سبقه جو بايدن وغيره من القادة الكاثوليك، لكن الفرق يكمن في السياق الذي استخدمت فيه هذه الرموز. بينما يعكس “أربعاء الرماد” في المعتقد المسيحي لحظة توبة وخشوع، جاءت هذه العلامة لتصبح غطاءً لتهديدات سياسية وعسكرية ضد المقاومة الفلسطينية.

من المعروف أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة منحازة بالكامل تجاه إسرائيل، إذ توفر لها الدعم العسكري والاقتصادي والسياسي غير المشروط.

لكن تصريحات روبيو تكشف عن بُعد جديد في هذا الدعم، وهو البعد الديني الذي يُستخدم لتبرير هذه المواقف. ففي الثقافة السياسية الأمريكية، يتمتع المسؤولون الذين يظهرون تدينهم العلني بشعبية أكبر بين الناخبين، وخاصة بين القاعدة الإنجيلية الداعمة لإسرائيل. 

وبالتالي، فإن ظهور روبيو بعلامة الصليب على جبهته قد يكون محاولة مقصودة لاستقطاب دعم هذه الفئات، في وقت تشتد فيه الحملات الانتخابية داخل الولايات المتحدة.

لكن ماذا عن الرسالة التي أراد إيصالها إلى الفلسطينيين؟ من الواضح أن واشنطن لا تزال تتعامل مع المقاومة الفلسطينية بمنطق القوة والتهديد، وليس بمنطق الحوار والتفاوض.

فبدلًا من البحث عن حلول سياسية عادلة للقضية الفلسطينية، تواصل الولايات المتحدة استخدام أسلوب التهديد والضغط، سواء عبر العقوبات الاقتصادية أو الدعم العسكري المفتوح لإسرائيل، أو حتى من خلال الخطابات الإعلامية التي تهدف إلى إضعاف معنويات المقاومة الفلسطينية.

واشنطن بين ازدواجية المعايير والهيمنة الدينية

إن ما حدث مع روبيو يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول ازدواجية المعايير الأمريكية في التعامل مع قضايا العالم الإسلامي. 

فعندما تستخدم الحركات الإسلامية الدين في خطابها السياسي، تتهمها واشنطن بـ”التطرف”، بينما عندما يقوم المسؤولون الأمريكيون بتوظيف الرموز الدينية لدعم سياساتهم العدوانية، يتم اعتبار ذلك “تعبيرًا عن الحرية الدينية”.

هذا التناقض ليس جديدًا، بل هو جزء من الاستراتيجية الأمريكية في التعامل مع الشرق الأوسط. 

فبينما يتم ترويج الديمقراطية وحقوق الإنسان كقيم أساسية للسياسة الأمريكية، يتم في الوقت نفسه دعم الأنظمة الاستبدادية والتدخلات العسكرية التي تنتهك هذه القيم بشكل صارخ. 

ومن هنا، يمكن فهم تهديدات روبيو ليس فقط في سياقها السياسي المباشر، ولكن أيضًا كجزء من سياسة أمريكية طويلة الأمد تهدف إلى السيطرة على المنطقة بأي وسيلة ممكنة، حتى لو كان ذلك عبر توظيف الرموز الدينية.

خاتمة: هل حماس أمام مرحلة جديدة من الضغوط؟

في ظل التهديدات المتزايدة من قبل إدارة ترامب، يبدو أن حركة حماس قد تكون أمام مرحلة جديدة من الضغوط الأمريكية والإسرائيلية. 

لكن ما يميز هذه المرحلة هو أنها تأتي مغلفة بخطاب ديني يهدف إلى منحها بعدًا أخلاقيًا، مما يعكس تحولًا في طريقة تعامل الولايات المتحدة مع المقاومة الفلسطينية.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل ستنجح هذه الاستراتيجية في تحقيق أهدافها؟ تاريخيًا، أثبتت المقاومة الفلسطينية قدرتها على التكيف مع التغيرات السياسية، والصمود أمام الضغوط المختلفة. 

وإذا كان التاريخ قد علمنا شيئًا، فهو أن سياسات التهديد والضغط نادرًا ما تحقق نتائج إيجابية، بل غالبًا ما تؤدي إلى مزيد من التوتر والتصعيد.

في النهاية، يبقى ظهور ماركو روبيو بعلامة “أربعاء الرماد” مجرد حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المحاولات الأمريكية لإخضاع المقاومة الفلسطينية. 

لكن ما يجهله روبيو وأمثاله، هو أن القضية الفلسطينية ليست مجرد ملف سياسي يمكن حله بالتهديدات، بل هي قضية شعب يناضل من أجل حقوقه المشروعة، ولن تثنيه عنها لا الصلبان الرمادية ولا التهديدات الأمريكية.

اقرأ أيضا : القمة العربية وإعادة إعمار غزة.. قرارات جوفاء أم خطوة فعلية؟