كشفت تقارير صحفية دولية، تقودها صحيفة “فايننشال تايمز”، عن تصاعد حاد في وتيرة التوتر بين دولة الإمارات وباكستان، وصل إلى حد استخدام أبوظبي لثقلها المالي كأداة ضغط سياسي وانتقامي ضد إسلام آباد، رداً على ما تراه الإمارات “ارتمائاً” في الحضن السعودي وتفرداً بدور الوساطة في الملف الإيراني الشائك.

سحب الودائع.. سلاح الضغط المالي

في خطوة وُصفت بأنها “عدائية” وغير متوقعة، طلبت الإمارات من باكستان سداد قرض ووديعة بقيمة 3.5 مليارات دولار بشكل فوري، وهو ما اعتبره مراقبون محاولة صريحة لخنق الاقتصاد الباكستاني المثقل بالأزمات. وتأتي خطورة هذه الخطوة في كونها تستهدف استنزاف نحو خُمس احتياطيات البنك المركزي الباكستاني، مما كان سيهدد بانهيار برنامج الإنقاذ المالي البالغ 7 مليارات دولار الذي يقوده صندوق النقد الدولي.

ورغم تعهد الإمارات سابقاً للصندوق بعدم المطالبة بسداد القرض قبل عام 2027، إلا أن قرار المطالبة بالسداد المبكر عكس رغبة إماراتية في معاقبة إسلام آباد سياسياً عبر بوابة المال.

الانتقام من التقارب مع الرياض

يرى محللون سياسيون أن التحرك الإماراتي ليس مجرد إجراء مالي روتيني، بل هو فعل انتقامي ناتج عن “الإحباط المتزايد” في أبوظبي من تعمق العلاقات الاستراتيجية بين السعودية وباكستان. فبينما كانت الإمارات تضغط على إسلام آباد لاتخاذ مواقف أكثر تشدداً تجاه طهران، اختارت باكستان التنسيق مع الرياض للعب دور الوسيط لإنهاء الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، وهو الدور الذي تراه الإمارات تجاوزاً لتوازناتها الإقليمية.

ونقلت الصحيفة عن نيل كويليام، الباحث في معهد “تشاتام هاوس”، أن الإمارات تنظر لسياسة المحاور بمنطق “أبيض أو أسود”، وتعتبر الحياد الباكستاني أو محاولة الوساطة انحيازاً غير مقبول، قائلة بوضوح: “إذا كنت وسيطاً فأنت في المنتصف، وأبوظبي لا ترحب بمن يقف في المنتصف”.

المظلة السعودية تحبط خطة “الخنق”

وفي مواجهة الضغوط الإماراتية، برز الدور السعودي كصمام أمان للاقتصاد الباكستاني، حيث تدخلت الرياض سريعاً لتخفيف حدة الأزمة عبر:

  • تقديم قرض جديد بقيمة 3 مليارات دولار لتعزيز الاحتياطيات.
  • تمديد قرض قائم بقيمة 5 مليارات دولار لأكثر من عام.

هذا التدخل السعودي لم يحمِ باكستان من الانهيار فحسب، بل عمق الشرخ بين “الحليفين الخليجيين”، حيث يرى مراقبون أن الملف الباكستاني أصبح ساحة جديدة لتنافس النفوذ بين الرياض وأبوظبي، شبيهة بالخلافات التي ظهرت سابقاً في ملفي اليمن والتنافس الاقتصادي الإقليمي.

رسائل سياسية خشنة

إلى جانب سلاح الودائع، كشف مستشارون باكستانيون أن أبوظبي أوصلت رسائل دبلوماسية خشنة تطالب إسلام آباد بموقف أكثر حدة ضد إيران، تزامناً مع تعزيز الإمارات لعلاقاتها الاقتصادية والعسكرية مع الهند (الخصم التقليدي لباكستان)، وهو ما اعتبرته الدوائر الرسمية في إسلام آباد طعنة في ظهر علاقات تاريخية بنيت على مدى عقود.

من جهته، أقر الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله بوجود “حالة إحباط” في أبوظبي من الدور الباكستاني، مؤكداً أن محاولات الوساطة لم تلقَ ترحيباً إماراتياً.

مستقبل العلاقة: ارتياب متبادل

رغم محاولات وزارة الخارجية الباكستانية إضفاء طابع “روتيني” على المطالبات المالية الإماراتية، إلا أن الكواليس في إسلام آباد تغلي بالاستياء. ويشير مسؤولون باكستانيون إلى شعور بالارتياح النسبي لتراجع الاعتماد على أبوظبي مقابل التوجه نحو الشريك السعودي الأكثر استقراراً، في ظل ما يوصف بـ “الانقلاب الإماراتي” نحو الهند واتباع سياسات “تصفية الحسابات” مع الشركاء القدامى.

يبقى السؤال القائم: هل تنجح باكستان في الموازنة بين ضغوط الإمارات المالية وبين رغبتها في بناء محور استراتيجي صلب مع السعودية؟ المؤشرات الحالية تدل على أن إسلام آباد اختارت المظلة السعودية، حتى لو كان الثمن مواجهة حملة انتقامية إماراتية تستهدف أمنها القومي والاقتصادي.

نتنياهو يترنح تحت وطأة الفشل: البحث عن “كبش فداء” للتغطية على هزيمة الاحتلال في لبنان