في مشهدٍ يعكس إرادة الشعوب الحرة أمام عربدة الاحتلال الصهيوني، شدّد أعضاء قافلة أسطول الصمود على أنّ الاعتداءات المتكررة التي تستهدف سفنهم لن تنجح في كسر عزيمتهم، مؤكدين أنهم سيمضون في رحلتهم نحو غزة اليوم الأربعاء، ولو بسفينة واحدة. 

ويأتي هذا الموقف في وقت يتصاعد فيه العدوان الإسرائيلي على البر والبحر، مخلفًا مئات آلاف الضحايا والمشردين في القطاع المحاصر منذ أكثر من 18 عامًا.

اعتداءات متكررة لإرهاب المتضامنين

خلال الساعات الماضية، تعرض قارب “ألما” لهجوم بطائرة مسيرة أثناء رسوه في المياه التونسية، وهو الاعتداء الثاني من نوعه في أقل من يوم واحد، بعد استهداف سفينة “فاميلي” بطريقة مشابهة. الاعتداءات التي وُصفت بأنها ممنهجة تهدف إلى بثّ الرعب وإرغام النشطاء على التراجع، لم تؤد إلا إلى مزيد من الإصرار على الاستمرار.

عضو الأسطول نبيل الشنوفي أوضح أن القارب كان يحمل علمًا بريطانيًا وعلى متنه تسعة أشخاص، وأن الهجوم تسبب فقط بأضرار مادية دون وقوع إصابات. وأضاف أنّ هذه الاعتداءات ليست سوى محاولة صهيونية لتخويف النشطاء ومنعهم من الانطلاق، لكنها “لن تثنينا عن مواصلة هدفنا السلمي في كسر الحصار”.

إصرار على كسر الحصار ولو بسفينة واحدة

الناطق باسم الأسطول، وائل نوار، أكد أن الطائرات المسيّرة التي ألقت مواد حارقة على سفينة “ألما” فشلت في زعزعة عزيمة المشاركين. وقال: “نحن على وعي بحجم المخاطر، لكن هذه التهديدات لا تُقارن بما يتعرض له أطفال غزة من قتل وتجويع. إذا اضطررنا، سننطلق ولو بسفينة واحدة.”

ويقدّر عدد السفن المشاركة في أسطول الصمود بـ 52 سفينة، على متنها ما بين 500 و800 مشارك من 44 دولة. ورغم بعض الصعوبات اللوجستية المتعلقة بصيانة بعض القوارب، إلى جانب تقلبات الطقس، يصر المنظمون على أن الإبحار سيبدأ كما هو مقرر، بينما تلتحق بقية السفن تباعًا خلال الأيام التالية.

تحرك مدني في مواجهة الحصار والإبادة

الأسطول يُعد أكبر تحرك مدني بحري نحو غزة منذ سنوات، ويُنظم عبر تنسيق بين منظمات دولية بارزة مثل “تحالف أسطول الحرية” و**”الحركة العالمية إلى غزة”**، بهدف فتح ممرات إنسانية بحرية لإيصال الإمدادات إلى السكان المحاصرين.

هذه المبادرة تأتي وسط ظروف إنسانية كارثية، إذ يواجه القطاع خطر المجاعة ونقصًا حادًا في المواد الأساسية، بينما يستمر الاحتلال في منع وصول المساعدات عبر البر والبحر. ويؤكد المشاركون أن تحركهم ليس عملاً عسكريًا أو استفزازيًا، بل رسالة تضامن إنساني مع شعب يتعرض لإبادة جماعية موثقة بالأرقام والشهادات.

حصاد العدوان: شهداء ومجاعة

منذ 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 وحتى اليوم، خلّف العدوان الإسرائيلي المستمر على غزة أكثر من 64 ألف شهيد و162 ألف مصاب، إضافة إلى أكثر من 10 آلاف مفقود، معظمهم تحت الأنقاض. كما تسبب في تهجير مئات آلاف الفلسطينيين قسرًا داخل القطاع الضيق، بينما حصدت المجاعة أرواح 382 شخصًا بينهم 135 طفلًا.

هذه الأرقام تكشف حجم المأساة الإنسانية التي يسعى أسطول الصمود إلى كسر صمتها، في وقت يواصل فيه الاحتلال سياسة العقاب الجماعي وحرمان المدنيين من الغذاء والدواء والماء، في انتهاك صارخ لكل القوانين الدولية.

بين عربدة الاحتلال وصمود المتضامنين

محاولات الاحتلال لإفشال الأسطول تكشف عن مدى ارتباكه أمام أي مبادرة تضامنية، حتى لو كانت رمزية. فالخوف من وصول رسالة للعالم بأن غزة ليست وحدها، يجعل “إسرائيل” توظف كل قوتها العسكرية لمواجهة سفن مدنية غير مسلحة. ومع ذلك، فإنّ ما يميز هذه القافلة هو أن المشاركين فيها يدركون تمامًا طبيعة المخاطر، ويصرون على الإبحار بوصفه واجبًا أخلاقيًا وإنسانيًا لا يقل أهمية عن أي معركة سياسية أو حقوقية أخرى.

خاتمة: إبحار الإرادة الحرة

أسطول الصمود ليس مجرد مجموعة سفن تحمل نشطاء من دول مختلفة، بل هو صرخة ضمير عالمي في وجه الحصار والإبادة. فالإصرار على الإبحار، ولو بسفينة واحدة، يعكس أن الشعوب الحرة لا يمكن أن تُرهبها الطائرات المسيّرة ولا القنابل الحارقة.

في الوقت الذي يواصل فيه الاحتلال الإسرائيلي عربدته في البحر والبر، يثبت الأسطول أن التضامن العالمي يمكن أن يتجاوز الحدود والجغرافيا، وأن غزة، مهما طال حصارها، ستظل تجد من يكسر جدار الصمت ويمد يد العون.

إنّ الرسالة الأهم التي يوجهها هذا الأسطول للعالم هي أنّ الإرادة الحرة أقوى من العدوان، وأن صوت الضمير يمكن أن يبحر في مواجهة المدافع، ليصل إلى غزة ولو عبر سفينة واحدة.

اقرأ أيضًا : المستوطنون يصعّدون إرهابهم.. وعباس يلوذ بالصمت