اعتراض الاحتلال الإسرائيلي لقافلة “أسطول الصمود” العالمية المتجهة نحو غزة، لم يكن مجرد اعتداء مسلح في المياه الدولية، بل كشف مرة أخرى عن هشاشة المواقف الرسمية العربية، التي بدت غائبة أو متواطئة أمام مشهد المقاومة المدنية. وبينما اشتعلت شوارع الغرب بالمظاهرات المؤيدة للأسطول والداعمة لفلسطين، غابت الأنظمة العربية عن المشهد، تاركة الساحة للغضب الشعبي الذي يزداد اتساعًا.

المواقف الغربية: الشارع يفرض نفسه

رغم أن العواصم الغربية لا تُعد بيئة مثالية لدعم فلسطين رسميًا، إلا أن مشاهد الاحتجاجات والاعتصامات في مدن أوروبية وأمريكية أثبتت أن الرأي العام هناك أكثر جرأة في التعبير. الآلاف خرجوا إلى الشوارع يرفعون الأعلام الفلسطينية ويطالبون بكسر الحصار عن غزة، ما شكّل ضغطًا على الحكومات الغربية، التي باتت تجد نفسها بين مطرقة اللوبي الإسرائيلي وسندان الشارع الغاضب. هذا الحراك الشعبي الغربي لا يُبرئ سياسات حكوماته، لكنه يبرز على الأقل مساحة حرية تسمح بإيصال الصوت الفلسطيني.

الأنظمة العربية: بين الصمت والتآمر

في المقابل، تعمّد النظام الرسمي العربي التزام الصمت المطبق، بل وصل الأمر إلى التآمر المباشر. النظام المصري، الذي يفترض أن غزة امتداد لأمنه القومي، لم يكتفِ بإغلاق المعابر وتجويع الفلسطينيين، بل احتجز نشطاء قافلة الصمود وأحبط محاولاتهم المتكررة للوصول إلى القطاع. أما الأنظمة الخليجية كالإمارات والسعودية، فقد اختارت التماهي مع المشروع الصهيوني من خلال التطبيع العلني، وفتح أبوابها أمام الاحتلال ليعزز حضوره السياسي والاقتصادي والعسكري في المنطقة.

خيانة مكشوفة

هذه المواقف لا يمكن قراءتها إلا في سياق “الخيانة الممنهجة”، حيث تواطأ النظام الرسمي العربي على فلسطين مقابل ضمان استمرار دعمه من القوى الكبرى. فبينما يدّعي الدفاع عن القضية الفلسطينية في المحافل الدولية، يمارس على الأرض سياسات تتقاطع مع الأجندة الإسرائيلية والأمريكية: قمع للمظاهرات المؤيدة لغزة، حصار للمبادرات الشعبية، تطبيع اقتصادي وأمني، بل وتنسيق أمني في بعض الحالات.

مقارنة كاشفة

المقارنة بين الموقف الغربي والعربي تكشف مفارقة صادمة: في الغرب، ورغم هيمنة اللوبيات الداعمة لإسرائيل، هناك على الأقل مجال للحراك الشعبي وحرية التعبير، أما في العالم العربي، فقد تحولت الأنظمة إلى أدوات قمعية تمنع حتى مجرد التضامن الرمزي. التونسيون مثلاً، خرجوا بعفوية يهتفون للأسطول ويطالبون برفع الحصار، بينما في مصر قوبلت أي محاولة للتظاهر بالاعتقال والتنكيل.

دلالات المشهد

اعتراض الاحتلال لقافلة الصمود أعاد القضية الفلسطينية إلى الواجهة العالمية، لكنه في الوقت ذاته كشف انهيار الشرعية الأخلاقية والسياسية للأنظمة العربية. فحين يُترك المتضامنون المدنيون وحدهم في مواجهة البحرية الإسرائيلية، وتُغلق الحدود العربية في وجوههم، فإن الرسالة واضحة: الأنظمة تخلّت عن دورها التاريخي واختارت أن تكون جزءًا من منظومة الحصار.

خاتمة

اعتراض قافلة الصمود لم يفضح الاحتلال وحده، بل عرّى الأنظمة العربية وأكد تواطؤها. وإذا كان الغرب، رغم انحياز حكوماته لإسرائيل، قد سمح لشعوبه أن تُعبّر عن تضامنها، فإن الأنظمة العربية منعت حتى أبسط أشكال التعبير الشعبي. وفي النهاية، يتضح أن التغيير لن يأتي من قصور الحكم ولا من طاولات المفاوضات، بل من إرادة الشعوب التي لا تزال ترى في فلسطين بوصلتها الأولى، مهما تآمر الحكام وتخاذلوا.

أقرأ أيضا: أسطول الصمود يتحدى حصار غزة: بين التهديدات الإسرائيلية والدعم الدولي المتنامي