في جريمة جديدة تُسلّط الضوء على عمق المأساة الإنسانية في إقليم دارفور غربي السودان، اتهمت شبكة أطباء السودان، الثلاثاء، قوات «الدعم السريع» بقتل 18 مدنيًا واختطاف 14 آخرين بينهم ثلاث فتيات، خلال هجوم شنته على أحد الأحياء الطرفية بمدينة الفاشر في ولاية شمال دارفور. الاتهامات جاءت في بيان شديد اللهجة حمل تحذيرات من «كارثة إنسانية غير مسبوقة»، وسط حصار خانق مفروض على المدينة منذ مايو/أيار الماضي، وتواطؤ إقليمي متهم بتغذية الصراع، على رأسه الإمارات.

مجزرة في قلب الأحياء السكنية

بحسب البيان، توغلت مجموعات مسلحة تابعة لقوات الدعم السريع داخل حي سكني في شمال مدينة الفاشر، وارتكبت عمليات قتل ميداني طالت 18 شخصًا بينهم نساء، أعقبتها بحملة اختطاف طالت 14 مدنيًا بينهم ثلاث فتيات، جرى اقتيادهم إلى جهة مجهولة. وأوضحت الشبكة أن الهجوم ترافق مع قصف مدفعي كثيف وتحليق طائرات مسيّرة في سماء المدينة، في وقت تشهد فيه الفاشر قتالًا ضاريًا منذ يومين متواصلين.

وأكدت شبكة الأطباء أن استمرار القصف العنيف تسبب في «انهيار شبه كامل لمقومات الحياة الأساسية»، حيث انقطعت الكهرباء والمياه والإمدادات الغذائية، فيما توقفت المستشفيات عن العمل بسبب الاستهداف المباشر ونفاد الوقود والإمدادات الطبية. وأشارت إلى أن فرق الإسعاف عاجزة عن الوصول إلى مواقع القصف وانتشال الجثث أو إجلاء الجرحى، ما يفاقم معاناة السكان المدنيين.

كارثة إنسانية تتسع تحت الحصار

الهجوم الأخير ليس حادثًا معزولًا، بل يأتي ضمن سياق تصعيد ممنهج تشنه قوات الدعم السريع منذ فرضها حصارًا شاملاً على مدينة الفاشر في 10 مايو/أيار 2024، مانعةً دخول الغذاء والدواء والوقود، ومقطعةً الطرق المؤدية إلى المدينة التي تُعد مركز العمليات الإنسانية والإغاثية لولايات دارفور الخمس. وسبق أن شنت قوات الدعم هجمات بطائرات مسيّرة على مواقع عسكرية وبنية تحتية مدنية في جنوب السودان والعاصمة الخرطوم، في تحدٍ مباشر للجهود الإقليمية والدولية الساعية لوقف الحرب.

ورغم تحذيرات أممية ودبلوماسية متكررة من أن الفاشر على شفا كارثة إنسانية، لم يفلح الضغط الدولي في فك الحصار أو حماية المدنيين. واعتبرت شبكة أطباء السودان أن تسلل قوات الدعم السريع إلى الأحياء السكنية وتنفيذها إعدامات ميدانية واعتقالات تعسفية، يمثل «تهديدًا وجوديًا للسكان» ويضاعف من حجم المأساة، داعية المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية إلى التدخل العاجل لتوفير ممرات آمنة للمساعدات ووقف الاشتباكات داخل المدينة.

حرب بالوكالة وتمزيق متعمّد للسودان

تأتي هذه التطورات في ظل اتهامات متصاعدة للإمارات بالوقوف وراء إطالة أمد الحرب في السودان ودعم قوات الدعم السريع بالمال والسلاح والمرتزقة، ضمن استراتيجية يُنظر إليها على نطاق واسع بأنها تهدف إلى تفكيك السودان إلى دويلات متناحرة تُدار بالوكالة وتخدم مصالح أبوظبي في منطقة القرن الأفريقي والساحل. وكشفت تقارير استخباراتية وإعلامية غربية عن جسور جوية سرية نقلت أسلحة وذخائر من الأراضي الليبية وتشاد إلى قوات الدعم السريع، بعلم وتمويل إماراتي مباشر، رغم العقوبات الدولية وحظر الأسلحة المفروض على دارفور.

ويرى محللون أن الإمارات تستخدم قوات الدعم السريع كأداة لتقويض الدولة السودانية المركزية وإعادة تشكيل الخريطة السياسية للبلاد بما يضمن مصالحها الاقتصادية والعسكرية، خاصة في مناطق التعدين وطرق التجارة البرية نحو البحر الأحمر. ويشير هؤلاء إلى أن أبوظبي تسعى إلى إقامة مناطق نفوذ تابعة لها في دارفور وغرب السودان، مستفيدة من حالة الفوضى والحرب الأهلية، على غرار تدخلاتها السابقة في اليمن وليبيا.

 حصاد الحرب: عشرات الآلاف من القتلى و15 مليون نازح

اندلعت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في منتصف أبريل/نيسان 2023، وفشلت كل الوساطات الإقليمية والدولية في إنهائها رغم توقيع العديد من اتفاقات وقف إطلاق النار التي لم تُنفذ. وأسفرت الحرب عن مقتل أكثر من 20 ألف شخص وفق تقديرات الأمم المتحدة والسلطات المحلية، بينما قدّرت دراسة مستقلة أعدتها جامعات أمريكية عدد القتلى بنحو 130 ألف شخص، في حين شردت المعارك نحو 15 مليون سوداني بين نازح ولاجئ، ليصبح النزوح الجماعي الأكبر في العالم حاليًا.

ويحذّر مراقبون من أن الفاشر قد تتحول إلى مسرح لمجزرة جماعية إذا سقطت بالكامل بيد قوات الدعم السريع، نظرًا إلى تركيبتها السكانية المتنوعة واحتضانها عشرات الآلاف من النازحين الهاربين من مناطق النزاع في دارفور. ومع استمرار التواطؤ الإقليمي وصمت المجتمع الدولي، تبدو المدينة عالقة بين كماشة الحصار والتجويع من جهة، وشبح الإبادة والتطهير العرقي من جهة أخرى.

دعوات لإنقاذ الفاشر قبل فوات الأوان

في ختام بيانها، شددت شبكة أطباء السودان على ضرورة التحرك العاجل من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ومنظمات الإغاثة الدولية لإدخال المساعدات الإنسانية والطبية إلى المدينة المحاصرة، وتأمين ممرات آمنة للمدنيين، وفرض حظر طيران فوق الفاشر لحماية السكان من القصف العشوائي. كما طالبت بالتحقيق الفوري في جرائم القتل والاختطاف الأخيرة ومحاسبة مرتكبيها، مؤكدة أن استمرار الصمت الدولي إزاء جرائم الدعم السريع «سيشجعها على ارتكاب المزيد من الفظائع».

وفيما يواصل سكان الفاشر صمودهم وسط ظروف مأساوية غير إنسانية، تتسع المخاوف من أن يتحول الصمت الدولي والتواطؤ الإقليمي إلى ضوء أخضر لمخططات تفكيك السودان وتقسيمه، ليكون المدنيون مرة أخرى وقودًا لحروب بالوكالة تديرها قوى خارجية في صراع لا نهاية له.

اقرأ أيضًا : العليمي يبرر عدوان إسرائيل على اليمن؟ موجة غضب في قمة الدوحة