أثارت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي خلال القمة العربية الإسلامية الطارئة المنعقدة في الدوحة، موجة غضب عارمة على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما ألقى باللوم على جماعة “أنصار الله” الحوثية، وذهب حدّ اتهامها بأنها السبب في جلب “الاحتلال الإسرائيلي” إلى اليمن. 

الكلمة التي بدا أنها خارجة عن سياق الموقف العربي العام المندد بالعدوان الإسرائيلي على غزة وقطر، فُسّرت على نطاق واسع بأنها محاولة لتبرير الاعتداء الإسرائيلي على اليمن وتحميل الضحية مسؤولية ما جرى، ما أثار استياءً كبيرًا داخل الأوساط الشعبية والسياسية اليمنية والعربية.

اتهام الضحية وتبرئة الجلاد

في كلمته، قال العليمي إن “الكيان الإسرائيلي شن هجوما على مقدرات الشعب اليمني، واستهدف الأصول المدنية ردا على الهجمات العبثية العابرة للحدود، التي تشنها المليشيات الحوثية الإرهابية، والتي أدت إلى عسكرة البحر الأحمر وتحويل اليمن إلى ساحة حرب بالوكالة عن داعميها”.

هذه العبارة وحدها كانت كفيلة بإشعال موجة انتقادات، إذ اعتبرها مراقبون أنها تبرئة ضمنية للعدوان الإسرائيلي، وتقديم مبررات سياسية وعسكرية له، في وقت كان يُفترض أن يكون الموقف العربي والإسلامي موحدًا في إدانة العدوان ورفضه جملةً وتفصيلًا، لا التماس الأعذار له أو البحث عن مبرراته.

يرى منتقدو العليمي أن حديثه عن “هجمات عبثية” تجاه إسرائيل، بينما يتحدث عن احتلال يقتل المدنيين يوميًا في غزة ويعتدي على قطر ذاتها، يفتقر إلى الحد الأدنى من الاتزان السياسي والالتزام بالموقف القومي، ويجعل اليمني يظهر وكأنه يساوي بين المعتدي والمقاوم، بل ويضع المحتل في خانة الدفاع عن النفس.

انحراف عن إجماع القمة وإضعاف الموقف اليمني

جاءت كلمة العليمي في وقت كانت فيه معظم كلمات القادة المشاركين بالقمة مشحونة بلهجة الإدانة الصارخة للعدوان الإسرائيلي على غزة والدوحة، والدعوة إلى إجراءات ردع حقيقية. غير أن العليمي بدا وكأنه يغرد خارج السرب، موجهاً سهامه نحو “أنصار الله” بدلاً من الاحتلال. هذا الانحراف عن الإجماع العربي والإسلامي أضعف من صورة الموقف اليمني الرسمي في المحفل الدولي، وجعل كثيرين يشككون في استقلالية قراره السياسي، متهمين إياه بـ الانحياز لمحور دولي وإقليمي يسعى لتطبيع العلاقات مع إسرائيل حتى على حساب دماء أبناء وطنه.

كما اعتبر ناشطون أن العليمي تجاهل الدور الفعلي للحوثيين في دعم معركة غزة ضمن عملية “طوفان الأقصى”، حين أعلنوا فرض حصار بحري على السفن الإسرائيلية واستهدفوا مواقع حساسة في العمق الإسرائيلي، وهو ما جعلهم – بنظر الجمهور العربي – طرفًا منخرطًا في مقاومة الاحتلال، بغض النظر عن الخلافات الداخلية في اليمن. لذلك، فإن تصويره لهم كسبب لجلب إسرائيل بدا كأنه يحوّل المقاومة إلى تهمة، ويشرعن الضربات الإسرائيلية.

اتهامات بالولاء للمحور الأمريكي ـ الإسرائيلي

عدد كبير من التعليقات على وسائل التواصل رأت أن العليمي لم يكتفِ بعدم إدانة العدوان الإسرائيلي، بل شارك في روايته الإعلامية بتكرار مزاعمه حول “الدفاع عن النفس” و”الهجمات الحوثية العشوائية”. واعتبروا أن هذا الخطاب ينسجم تمامًا مع خطاب الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة الذين يحاولون شيطنة أي فعل مقاوم ووصمه بالإرهاب.

كما أشار ناشطون إلى أن العليمي بدا وكأنه يتحدث باسم دول خليجية حليفة لواشنطن أكثر من كونه يمثل شعبًا يمنيًا يُقتل أبناؤه بالقصف الإسرائيلي. وقال أحد النشطاء إن كلمته “بدت وكأنها بيان من وزارة الخارجية الإسرائيلية بلسان عربي”، في إشارة إلى التطابق الكبير بين مضمون كلمته وخطاب الاحتلال.

ضربة لصورة اليمن الرسمية وهدية لإسرائيل

لم تقتصر الانتقادات على النشطاء اليمنيين، بل امتدت إلى صحفيين ومحللين عرب وصفوا كلمة العليمي بأنها “ضربة لصورة اليمن الرسمية” في العالمين العربي والإسلامي، و”هدية مجانية لإسرائيل” في توقيت كانت تبحث فيه عن أي طرف عربي يمنحها شرعية أو يبرر عدوانها.

وأشار هؤلاء إلى أن القمم العربية والإسلامية لطالما كانت ساحة لإظهار وحدة الصف، لكن العليمي أضاع الفرصة بتحويل منصة الدوحة إلى منبر لتصفية حسابات داخلية يمنية في لحظة كانت تستدعي رص الصفوف ضد الاحتلال.

وحذّروا من أن خطابه قد يُستخدم لاحقًا في المحافل الغربية والإسرائيلية باعتباره دليلًا على وجود “طرف عربي يعترف بشرعية الرد الإسرائيلي”، وهو ما سيضعف أي جهود قانونية مستقبلية لمحاسبة الاحتلال على جرائمه في اليمن أو غزة.

خاتمة: فقدان البوصلة الوطنية والقومية

في المحصلة، بدت كلمة رشاد العليمي خلال قمة الدوحة كأنها فقدت البوصلة الوطنية والقومية في لحظة تاريخية فارقة، فبينما كان الملايين ينتظرون موقفًا عربيًا موحدًا في وجه الاحتلال الإسرائيلي، خرج العليمي ليلقي اللوم على طرف يمني، متجاهلًا الاحتلال الذي ضرب بلده وقتل أبناءه. هذا الخطاب، بحسب المنتقدين، كرّس صورة قيادة منقطعة عن شعبها، متماهية مع السرديات الأجنبية، ومعادية لمزاج الشارع العربي.

لقد أخطأ العليمي في قراءة اللحظة التاريخية، فبدلًا من الدفاع عن اليمن ودماء شعبه، بدا كمن يبرر قتلهم. وهذا بالضبط ما جعل كلمته تتحول من فرصة لإعلاء صوت اليمن إلى فضيحة سياسية مدوّية.

اقرأ أيضًا : فيضانات تشرّد 4 آلاف سوداني وتدمّر 550 منزلاً.. و«بصمات الإمارات» تلاحق انهيار البنية التحتية