في مشهد يتكرر بلا نهاية، وتحت سمع وبصر العالم أجمع، استيقظ قطاع غزة في ثاني أيام عيد الفطر على يوم جديد من المجازر الإسرائيلية المتصاعدة، أكثر من 80 شهيداً خلال 48 ساعة، ومئات الجرحى سقطوا بفعل غارات وصفت بـ”الهمجية” طالت الأحياء السكنية، وخيام النازحين، وحتى سيارات النقل.
وبينما كانت العائلات تحاول التقاط أنفاس العيد وسط الحصار والجوع والتشريد، باغتتها الطائرات الحربية الإسرائيلية بصواريخ الموت، لتحوّل مظاهر العيد إلى مقابر جماعية.
في شارع يافا بحي التفاح شرق غزة، استُهدِف منزل عائلة حمادة، ما أسفر عن استشهاد ثلاثة فلسطينيين، بينهم أطفال، بينما استُهدِفت سيارة نقل في مدينة رفح أدت إلى استشهاد سائقها ومرافقيه.
وفي مخيم البريج وسط القطاع، ارتكبت طائرات الاحتلال مجزرة جديدة بحق المدنيين، حيث استشهد فلسطينيان بينهم سيدة، في قصف استهدف تجمعًا سكنيًا للنازحين.
ولم تكن مدينة خان يونس بأفضل حال؛ فقد استُشهد 17 شخصًا بينهم نساء وأطفال إثر قصف منازل وخيم للنازحين، بينما قُتل 10 آخرون في قصف ليلي طال ثلاث منازل مأهولة، لتتحول المدينة الجنوبية إلى نموذجٍ مكتمل لمحرقة عصرية.

“حماس”: المجازر تُرتكب أمام أعين العالم.. فأين أنتم؟
في بيان شديد اللهجة، اعتبرت حركة المقاومة الإسلامية “حماس” أن ما يجري في غزة هو حرب إبادة شاملة تُرتكب بشكل علني أمام مرأى المجتمع الدولي، دون أي تحرك جاد لإيقافها.
ووصفت الحركة استمرار القصف بأنه دليل على سياسة الانتقام الجماعي التي تتبعها حكومة بنيامين نتنياهو، مشيرة إلى أن استهداف خيام النازحين، وقتل الأطفال والنساء، يأتي ضمن خطة منهجية للتهجير القسري والتطهير العرقي.
“هذه المجازر تُرتكب أمام سمع وبصر العالم، بدافع الانتقام والإرهاب، وبدون أي اكتراث للعواقب أو احترام للقانون الدولي”، تقول “حماس”، معتبرة أن صمت المجتمع الدولي، والعجز العربي، والدعم الأمريكي اللامحدود، يُحوّل الجميع إلى شركاء في جريمة إبادة لم يشهدها التاريخ الحديث بمثل هذا الوضوح والفظاعة.
واتهمت “حماس” الإدارة الأمريكية بمحاولة تعطيل أدوات المحاسبة الدولية، وحماية حكومة نتنياهو من المثول أمام محكمة الجنايات الدولية، ما يُعزز شعور الاحتلال بالإفلات من العقاب، ويدفعه لارتكاب مزيد من المجازر.
كما دعت الحركة شعوب الأمة الإسلامية، والدول الحرة، إلى تحمل مسؤولياتهم في وقف هذا “الانهيار الكارثي لمنظومة القيم والقوانين الدولية”.
صمت العرب.. شراكة ضمنية أم عجز مفضوح؟
ما يزيد من فداحة المشهد في غزة ليس فقط حجم المجازر، بل الصمت العربي المطبق، بل وتواطؤ بعض الأنظمة التي اختارت التطبيع والدبلوماسية الباردة على حساب الدم الفلسطيني.
ورغم مشاهد الأطفال تحت الركام، والأمهات المنكوبات، والدماء التي تغطي شوارع المخيمات، لم يصدر عن غالبية الحكومات العربية سوى بيانات روتينية، لا تتجاوز حدود “القلق” و”الدعوة لضبط النفس”.
لماذا تصمت العواصم العربية بينما تُباد غزة على مرأى الكاميرات؟ أهو عجز أم تجاهل؟ أم أن بعضهم يراهن على كسر شوكة المقاومة لتصفية القضية الفلسطينية وفقاً لمشاريع التصفية والتطبيع التي تطبخ في الغرف المغلقة؟
لقد كشف العدوان الأخير عن هشاشة الموقف العربي، وعن مدى اختلال موازين التأثير في المنطقة، حيث بات الصوت الفلسطيني المكلوم أكثر وضوحاً وصدقاً من كل منابر الدبلوماسية الرسمية.
وبينما ترفع شعوب الأمة أصواتها في الشوارع دفاعاً عن غزة، تقف بعض الأنظمة في صف العدو، تلوّح بخيوط التطبيع، أو تغلق الحدود، أو تمارس الصمت المُريب.
غزة تنزف.. والمقاومة لن تنكسر
ومع دخول العدوان شهره الثامن عشر، وتزايد أعداد الشهداء إلى أكثر من 1001 منذ استئناف الهجوم الأخير، واستمرار التدمير الشامل للبنية التحتية، لم تُظهر المقاومة الفلسطينية أي مؤشرات على التراجع أو الاستسلام.
بل على العكس، تؤكد بياناتها وتصريحات قياداتها أن “شعبنا لن ينكسر، ولن يتخلى عن أرضه وحقوقه المشروعة مهما بلغ حجم الألم والتضحيات”.
إن ما يجري في غزة اليوم ليس مجرد “تصعيد عسكري”، بل مجازر ممنهجة، تستهدف الإنسان الفلسطيني وجودًا وهويةً.
وبينما يُحرم القطاع من مقومات الحياة، ويُقتل أبناؤه على الهوية، تُسجل الأنظمة العالمية فشلاً أخلاقيًا وسياسيًا غير مسبوق، سيسجله التاريخ يومًا كشهادة مخزية على تواطؤ العالم مع الظالم ضد الضحية.
وفي النهاية، تبقى غزة رمزًا للكرامة والصمود، ورغم الدمار والدماء، فإنها تُعلّم العالم كل يوم أن الشعوب لا تُكسر، وأن الإرادة الحرة أقوى من الطائرات والمدافع. أما أنتم، يا من تصمتون، فستسألكم الأجيال القادمة: أين كنتم عندما كانت غزة تُباد؟
اقرأ أيضًا : سرايا القدس تصعّد ضرباتها: استهداف قاعدة “حتسريم” الجوية ومستوطنات غلاف غزة ردًا على جرائم الاحتلال