في 20 أغسطس 2019، أعلنت الإمارات وفاة الشاعر والصحفي حبيب الصايغ، أحد أبرز وجوه مؤسساتها الثقافية والإعلامية. وبعد أكثر من سبع سنوات، أعاد كتاب «أمراء ولصوص» للصحفي الأميركي ماثيو كول طرح أسئلة شديدة الخطورة حول الأيام الأخيرة من حياته، بعدما نسب إلى مصادر رواية تتحدث عن اعتقاله وتعذيبه ووفاته أثناء الاحتجاز على خلفية موقفه المعارض للتطبيع مع إسرائيل.

خطورة الرواية لا تكمن فقط في طبيعة الاتهامات، بل في شخصية الرجل الذي تتعلق به. فالصايغ لم يكن معارضًا يعيش خارج البلاد، ولا ناشطًا مجهولًا اصطدم بالسلطات من هامش الحياة السياسية. كان رئيسًا لتحرير صحيفة «الخليج»، ورئيسًا لاتحاد كتّاب وأدباء الإمارات، وأمينًا عامًا لاتحاد الأدباء والكتّاب العرب. وقد نعاه كبار المسؤولين الإماراتيين عند وفاته، واحتفت المؤسسات الرسمية بإسهاماته في الصحافة والأدب.

هذا التناقض بين المكانة الرسمية للرجل والرواية التي ظهرت لاحقًا هو ما يجعل القضية جديرة بتحقيق مستقل. فإذا صحت الاتهامات الواردة في الكتاب، فإن الأمر يتعلق بانتهاك جسيم ارتُكب بحق شخصية كانت جزءًا من المؤسسة الثقافية الإماراتية نفسها. أما إذا لم تصح، فإن تداولها بوصفها حقيقة ثابتة يسيء إلى ذكرى الرجل وأسرته، فضلًا عن خطورته على مصداقية العمل الصحفي.

لم يكن حبيب الصايغ اسمًا عابرًا في الصحافة الإماراتية. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، كان حاضرًا في بناء المؤسسات الإعلامية والثقافية للدولة، وتدرج في مواقع جعلته أحد أبرز ممثليها الأدبيين في المحافل العربية. ولذلك فإن إعادة فتح ملف وفاته اليوم لا تتعلق بشاعر مجهول اختلف مع السلطة، وإنما بشخصية كانت جزءًا من الواجهة الثقافية الرسمية للإمارات، وتتمتع باعتراف مؤسساتها وقيادتها.

ولد حبيب يوسف عبد الله الصايغ في أبوظبي عام 1955، ودرس الفلسفة، ثم حصل على درجة الماجستير في اللغويات المقارنة من جامعة لندن. وعمل في وزارة الإعلام والثقافة، وشغل منصب نائب رئيس تحرير صحيفة «الاتحاد»، وأسهم في تأسيس وإدارة مشروعات صحفية وثقافية، قبل أن يتولى مواقع قيادية في اتحادات الكتاب على المستويين الإماراتي والعربي. وترك دواوين شعرية من بينها «التصريح الأخير للناطق باسم نفسه» و«قصائد إلى بيروت» و«وردة الكهولة».

كانت هذه السيرة كافية لجعله أحد رموز الثقافة الإماراتية التي تحتفي بها الدولة. لكن الأيام الأخيرة من حياته وضعت اسمه في سياق سياسي مختلف تمامًا.

في 11 أغسطس 2019، نشر الصايغ مقالًا في صحيفة «الخليج» بعنوان «إسرائيل عدوّنا الحقيقي ومشروع خطير»، انتقد فيه الأصوات الداعية إلى التطبيع مع إسرائيل، ورفض تصوير التقارب معها بوصفه خيارًا يحظى بتفويض من شعوب المنطقة. ولم يكن موقفه قائمًا على إنكار الخلافات العربية مع إيران، بل على رفض استخدام تلك الخلافات لتبرير تجاوز الحقوق الفلسطينية أو إعادة تعريف إسرائيل باعتبارها حليفًا طبيعيًا.

وبعد تسعة أيام، في 20 أغسطس، أعلنت وكالة أنباء الإمارات وفاته عن عمر ناهز الرابعة والستين. ونشرت الوكالة سيرته ومناصبه، وأعقب ذلك سيل من كلمات النعي الرسمية والثقافية، بينها كلمات من محمد بن زايد ومحمد بن راشد ومسؤولين آخرين.

كان الإعلان مقتضبًا فيما يتعلق بظروف الوفاة؛ إذ لم يذكر الخبر الرسمي سببًا طبيًا محددًا. ولم تتحول هذه النقطة آنذاك إلى تحقيق علني واسع، وبقيت صورة الصايغ في الذاكرة العامة صورة الأديب الذي رحل بعد مسيرة طويلة في خدمة الثقافة والصحافة.

لكن صدور كتاب «أمراء ولصوص» للصحفي الاستقصائي الأميركي ماثيو كول في أكتوبر 2026 أعاد ترتيب الأسئلة المتعلقة بتلك الأيام التسعة.

يروي الكتاب، استنادًا إلى مصدر سري يقول المؤلف إن مصدرين آخرين أيدا معلوماته، أن عناصر من الأمن الإماراتي اقتادت الصايغ من منزله في أبوظبي بعد نشر مقاله المناهض للتطبيع. وتصف الرواية احتجازه وتعذيبه ووفاته داخل مكان احتجاز، وتورد تفاصيل عن إصابات جسدية بالغة، بينها اقتلاع أسنان والاعتداء عليه بأداة معدنية.

وتتجاوز الرواية ظروف الوفاة إلى ما جرى للجثمان. إذ ينسب الكتاب إلى مصادره أن السلطات منعت الأسرة من معاينته، ثم نقلت رفاته لاحقًا من مقبرة البطين إلى قبر غير معلّم في الصحراء.

هذه التفاصيل تجعل الكتاب يتجاوز مجرد إعادة تفسير موقف سياسي قديم؛ فهو يقدم اتهامات محددة تتعلق بالاحتجاز والتعذيب والقتل وإخفاء آثار الوفاة. وهي اتهامات يمكن اختبار أجزاء مهمة منها بأدلة مادية وسجلات رسمية وشهادات مباشرة.

وتكمن إحدى أهم نقاط القضية في توقيتها. فقد عارض الصايغ علنًا التقارب مع إسرائيل في أغسطس 2019، قبل عام تقريبًا من إعلان الإمارات تطبيع العلاقات معها في 2020. وهذا التسلسل يضع مقاله في سياق الجدل السابق على الاتفاق، لا في سياق الاحتجاج على اتفاق كان قد أُعلن بالفعل.

كما يثير موقع الصايغ داخل المؤسسة الثقافية سؤالًا سياسيًا حساسًا: إلى أي مدى كانت مساحة الاختلاف المسموح بها داخل النخبة الإماراتية تشمل القضايا الاستراتيجية التي تبنتها القيادة لاحقًا؟ وهل كان الاعتراض على التطبيع يُعامل بوصفه رأيًا سياسيًا مشروعًا، أم أن بعض دوائر السلطة كانت تنظر إليه باعتباره تحديًا لخياراتها الإقليمية؟

التسلسل الذي يطرحه الكتاب يفسر لماذا أصبحت ظروف الوفاة موضوع مطالبة حقوقية دولية.

ففي 29 أكتوبر 2026، وجهت منظمة «الديمقراطية للعالم العربي الآن» (داون) رسائل إلى ثلاثة من المقررين الخاصين بالأمم المتحدة، المعنيين بالإعدام خارج القضاء والتعذيب وحرية الرأي والتعبير، مطالبة بفتح تحقيق مستقل في وفاة الصايغ.

ولم تكتف المنظمة بالمطالبة العامة بالتحقيق، بل حددت الأدلة التي ترى ضرورة الحصول عليها: شهادة الوفاة، والسبب الطبي المسجل، وأي سجلات احتجاز، وتوضيح رسمي من السلطات الإماراتية بشأن الاتهامات الواردة في الكتاب، إضافة إلى تمكين الأسرة وخبير طب شرعي مستقل من التحقق من موقع القبر وحالة الرفات.

وتكتسب هذه المطالب أهميتها من أنها تنقل القضية من ساحة السرد الصحفي إلى ساحة الأدلة القابلة للفحص. فإذا كانت هناك سجلات احتجاز، فإنها تستطيع تحديد ما إذا كان الصايغ قد دخل منشأة أمنية خلال الأيام الأخيرة من حياته. وإذا كانت هناك وثائق طبية أو شهادة وفاة تفصيلية، فقد تساعد على تحديد السبب المسجل لوفاته. وإذا أمكن التحقق من الرفات، فقد يقدم الفحص الجنائي معلومات تتعلق بالإصابات التي يصفها الكتاب.

وأوضحت «داون» أنها لم تتحقق بصورة مستقلة من اتهامات كول، وهو تمييز أساسي بين نشر رواية خطيرة وبين إثباتها. كما أن مخاطبة خبراء الأمم المتحدة لا تعني أن المنظمة الدولية توصلت إلى نتائج بشأن القضية؛ فالمطالبة بالتحقيق هي بداية مسار محتمل للمساءلة، وليست حكمًا على الوقائع.

ومع ذلك، فإن غياب الأدلة المنشورة لا ينهي الأسئلة التي أثارتها الرواية. فالسلطات الإماراتية هي الجهة التي يمكنها تقديم السجلات الرسمية المتعلقة بالوفاة، بينما يتطلب التحقق من بقية التفاصيل الوصول إلى الشهود والوثائق والأدلة الجنائية.

ويضع هذا الوضع مسؤولية خاصة على الجهات المعنية بكشف الحقيقة، لأن القضية تتعلق بشخصية عامة كانت لها مكانة رسمية واسعة. فالصايغ لم يكن خارج المؤسسات التي احتفت به بعد رحيله؛ بل كان واحدًا من رموزها. وهذا ما يجعل أي تحقيق في ظروف وفاته اختبارًا لقدرة الدولة على التعامل مع اتهامات تمس مؤسساتها الأمنية دون الاكتفاء بسجل الرجل الأدبي أو كلمات التأبين.

وفي الوقت نفسه، يطرح الكتاب سؤالًا عن دور الصحافة الاستقصائية حين تتناول أحداثًا مضى عليها سنوات. فالمصادر السرية قد تكون ضرورية لكشف انتهاكات يصعب توثيقها علنًا، لكنها لا تعفي الصحفي من ضرورة البحث عن أدلة مستقلة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر باتهامات قتل وتعذيب.

وتزداد أهمية ذلك حين تتحول رواية منشورة في كتاب إلى خبر تتناقله وسائل الإعلام، ثم إلى اتهام سياسي متداول باعتباره حقيقة محسومة. ففي كل مرحلة من هذه المراحل يمكن أن تضيع الفروق بين ما قاله المصدر، وما توصل إليه المؤلف، وما أثبتته جهة مستقلة.

إن قصة حبيب الصايغ، كما أعاد كتاب «أمراء ولصوص» طرحها، تجمع عناصر تجعلها شديدة الحساسية: شاعر معروف، ومقال معارض للتطبيع، ووفاة بعد أيام، واتهامات لاحقة بارتكاب انتهاكات جسيمة، ومطالبة دولية بالتحقيق.

لكن القيمة الحقيقية لإعادة فتح الملف لن تكون في قوة العنوان أو قسوة الاتهام، وإنما في القدرة على الوصول إلى الأدلة التي تحسم ما حدث بين نشر مقاله وإعلان وفاته.

فبعد سبع سنوات من رحيل أحد أبرز وجوه الثقافة الإماراتية، لم يعد السؤال مقتصرًا على مضمون آخر مواقفه السياسية، بل امتد إلى ظروف أيامه الأخيرة، وما إذا كانت هناك معلومات لم تُكشف للرأي العام.

ويبقى السؤال الذي وضعه الكتاب أمام السلطات الإماراتية والمؤسسات الحقوقية: من قتل حبيب الصايغ وماذا حدث خلال الأيام التسعة الفاصلة بين مقاله المناهض للتطبيع وإعلان وفاته.