في خطوة مفاجئة، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية، السبت، وقف إصدار جميع تأشيرات الزيارة للأفراد القادمين من قطاع غزة، بحجة الحاجة إلى “مراجعة شاملة ودقيقة”.
القرار الذي جاء وسط استمرار العدوان الإسرائيلي الدموي على القطاع، أثار جدلا واسعا بشأن أبعاده السياسية والإنسانية، خاصة أنه يتزامن مع تصاعد الأصوات داخل الأوساط الأمريكية المطالبة بتشديد الإجراءات ضد الفلسطينيين، تحت ذريعة “الأمن القومي”.

القرار وأرقامه: وقف شبه كامل مع استثناء محدود
بحسب بيان الخارجية الأمريكية، فإن القرار يعني تعليق إصدار تأشيرات من فئة (B1 وB2) التي تتيح لحامليها دخول الولايات المتحدة لأغراض الزيارة أو العلاج الطبي. وأشارت الوزارة إلى أن “عددا قليلا” من الحالات الإنسانية والطبية حصل على استثناء خلال الأيام الماضية، لكنها امتنعت عن الكشف عن الأرقام الدقيقة.
إحصائيات الوزارة المنشورة سابقا تكشف أن الولايات المتحدة منحت أكثر من 3800 تأشيرة زيارة لحاملي وثائق سفر السلطة الفلسطينية خلال الأشهر الماضية فقط، من بينها 640 تأشيرة في مايو/أيار، وهو رقم يُظهر حجم التأثير المتوقع لهذا القرار على الفلسطينيين، لا سيما المرضى الذين يعتمدون على العلاج في المستشفيات الأمريكية.
خلفية سياسية: من تغريدة إلى قرار حكومي
القرار لم يأت من فراغ، بل جاء بعد حملة تحريض أطلقتها الناشطة اليمينية المتطرفة لورا لومر، الحليفة المقربة من الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، عبر مواقع التواصل الاجتماعي. فقد ادعت أن “لاجئين فلسطينيين دخلوا الولايات المتحدة هذا الشهر”، وهو ما أثار حالة من الذعر بين أوساط الجمهوريين.
ردود الفعل لم تتأخر، إذ وصف النائب الجمهوري تشيب روي عن ولاية تكساس دخول الفلسطينيين بأنه “قضية أمن قومي”، وأكد أنه سيستفسر عن الأمر رسميا. بينما اعتبر النائب راندي فاين من فلوريدا أن إصدار هذه التأشيرات “خطر مباشر على الأمن القومي الأمريكي”. هذه التصريحات عززت الضغوط على إدارة وزارة الخارجية، فخرج القرار سريعًا ليحاكي أجواء الخوف والتحريض.
أبعاد إنسانية: المرضى أول الضحايا
بينما تبرر واشنطن القرار بالمراجعة الأمنية، فإن انعكاساته الإنسانية تبدو أكثر خطورة. قطاع غزة يعاني منذ سنوات من حصار خانق، ومنع شبه كامل لسفر المرضى، حيث يعتمد مئات الفلسطينيين على تأشيرات إنسانية للعلاج في الخارج، خاصة في الولايات المتحدة التي تستقبل بعض الحالات النادرة والمعقدة.
تعليق هذه التأشيرات يعني عمليا حرمان المرضى من حق أساسي في العلاج، وتركهم فريسة للمرض أو الموت. المنظمات الحقوقية التي تراقب السياسات الأمريكية تحذر من أن هذه الخطوة تمثل “تسييسا للعمل الإنساني” واستخدامًا للأدوات الدبلوماسية كسلاح ضغط يعمّق معاناة المدنيين.
البعد السياسي: عقاب جماعي وتماهي مع الاحتلال
يتزامن القرار الأمريكي مع استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والذي أسفر عن استشهاد أكثر من 61 ألف فلسطيني، معظمهم من المدنيين، وتدمير واسع للبنية التحتية. وفي هذا السياق، يُنظر إلى الخطوة الأمريكية باعتبارها جزءا من سياسة الضغط المتواصلة على الفلسطينيين، عبر التضييق على كل مسارات حياتهم، حتى خارج حدود غزة.
كما يرى مراقبون أن القرار يعكس تماهي الإدارة الأمريكية مع خطاب اليمين الإسرائيلي الذي يشيطن الفلسطينيين ويصورهم كتهديد وجودي. فالولايات المتحدة، بدلاً من فتح مسارات إنسانية تخفف من المأساة، اختارت أن تنصاع لحملات التحريض الشعبوية التي يقودها اليمين المتطرف داخلها، بما يرسخ صورة “المعاقبة الجماعية”.
قراءة في المشهد: من الأمن القومي إلى الانتخابات
من اللافت أن القرار جاء في سياق داخلي أمريكي مشحون بالاستعدادات للانتخابات الرئاسية المقبلة. حيث يسعى الجمهوريون –وخاصة أنصار ترامب– إلى استخدام القضية الفلسطينية كورقة انتخابية، عبر إثارة المخاوف الأمنية لدى الناخبين.
وفي المقابل، يبدو أن إدارة الخارجية لم ترغب في الدخول في مواجهة مع هذه الموجة الشعبوية، فاختارت التماشي معها عبر قرار يفتقر إلى التوازن السياسي والاعتبارات الإنسانية. هذه الخطوة قد تُقرأ أيضا كمحاولة من إدارة بايدن لقطع الطريق على اتهامات الجمهوريين بأنها “تتساهل” مع الفلسطينيين.
خاتمة: خطوة تكشف ازدواجية المعايير
وقف تأشيرات الزيارة للفلسطينيين من غزة ليس مجرد إجراء إداري مؤقت، بل هو مؤشر على ازدواجية المعايير الأمريكية التي تتحدث عن القيم الإنسانية بينما تمارس سياسات عقابية بحق ضحايا الحصار والحرب. فالولايات المتحدة التي تفتح أبوابها أمام مئات آلاف المهاجرين سنويا، اختارت أن تغلقها أمام مرضى وناجين من القصف والحصار، استجابة لتحريض يميني متطرف.
وبينما يتواصل العدوان الإسرائيلي الذي حوّل غزة إلى أنقاض، يظهر القرار الأمريكي كحلقة جديدة من حلقات التواطؤ الغربي مع آلة الحرب الإسرائيلية، ليؤكد أن معركة الفلسطينيين لم تعد فقط مع الاحتلال، بل أيضا مع القوى الكبرى التي تحاول فرض حصار سياسي وإنساني موازٍ.
اقرأ أيضًا : الفلسطينيون يُقتلون بأموال أوروبية: فضيحة تمويل مؤسسة “غزة الإنسانية”