أثارت تصريحات المتحدث باسم ما تُسمى مؤسسة غزة الإنسانية، المدعومة أميركياً وإسرائيلياً، جدلاً واسعاً بعدما كشف أن جزءاً من تمويل المؤسسة يأتي من دول أوروبية في الغرب.
ورغم رفضه الكشف عن أسماء هذه الدول، بحجة “التزام المؤسسة بالسرية”، فإن مجرد الإقرار الأوروبي بالتمويل يكشف تناقضاً صارخاً بين خطاب هذه الحكومات عن “حقوق الإنسان” ودورها العملي في تمويل مشروع متهم بقتل الفلسطينيين وتجويعهم.
تصريح المتحدث الأميركي تشابين فاي للقناة الرابعة البريطانية ترافق مع شهادات صادمة من موظفين سابقين، بينهم ضابط أميركي متقاعد أكد أن القوات الإسرائيلية أطلقت النار على المدنيين قرب نقاط توزيع المساعدات التي تديرها المؤسسة. هذا المشهد يطرح سؤالاً محورياً: هل أصبح المال الأوروبي أداة لتمويل الإبادة في غزة؟

مشروع السيطرة على الغذاء: عسكرة المساعدات
تأسست المؤسسة في فبراير/شباط 2025، وبدأت نشاطها في مايو/أيار الماضي، بزعم “ضمان وصول الغذاء للمدنيين وعدم وقوعه بيد حماس”. لكن في الحقيقة، شكّلت هذه المؤسسة جزءاً من مشروع أميركي إسرائيلي أوسع للسيطرة على ملف المساعدات وإقصاء الأمم المتحدة والمنظمات المستقلة.
فقد أنشأت المؤسسة أربع نقاط توزيع رئيسية، ثلاث منها في رفح وواحدة على محور نتساريم. هذه النقاط وُصفت من قِبل وكالة “أونروا” بأنها “مصايد موت”، إذ شهدت مقتل مئات الفلسطينيين برصاص الجيش الإسرائيلي أثناء محاولتهم الوصول للطعام. الأمر تجاوز البعد الإنساني إلى تحويل المساعدات إلى أداة حرب، هدفها إذلال الفلسطينيين وتجويعهم لدفعهم نحو الاستسلام أو التهجير.
شهادات الضابط الأميركي المتقاعد أنتوني أغيلار دعمت هذا الاتهام، إذ أكد أنه شاهد القوات الإسرائيلية تطلق النار بلا تمييز على الحشود وتستخدم المدفعية ضد المدنيين الجائعين، معتبراً ذلك “أقصى درجات الوحشية” التي لم يصادفها حتى خلال سنوات خدمته العسكرية.
غموض التمويل وضغط المصارف
على الرغم من أن المؤسسة حصلت على 30 مليون دولار من الإدارة الأميركية، فإن المتحدث أكد أن هناك تمويلاً إضافياً من دول أوروبية لم يُكشف عن هويتها “لأسباب سياسية”. هذا الغموض أثار مخاوف بشأن دور العواصم الأوروبية التي ترفع شعارات حماية المدنيين بينما تموّل عملياً مشاريع مرتبطة بإسرائيل وأميركا، تتسبب في قتل هؤلاء المدنيين.
وفي الوقت نفسه، رفضت مصارف عالمية كبرى مثل “يو بي إس” و”غولدمان ساكس” فتح حسابات للمؤسسة بسبب انعدام الشفافية وارتباط اسمها بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. هذا الرفض يعكس إدراك المؤسسات المالية للمخاطر القانونية والأخلاقية المرتبطة بالتعامل مع مشروع ملوث بدماء الفلسطينيين.
كما أن انسحاب مؤسسين بارزين، بينهم المدير التنفيذي جيك وود، من المؤسسة في مايو/أيار الماضي، عزز الانطباع بأن هذه المبادرة محكومة بالفشل وتفتقر للشرعية والقبول حتى داخل الغرب نفسه.
موقف الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية
رفضت الأمم المتحدة منذ البداية هذا المشروع واعتبرته أداة لتقويض العمل الإنساني الحقيقي في غزة. أما “أونروا”، فقد ذهبت أبعد من ذلك حين وصفت نقاط التوزيع بأنها “مصايد موت”، مؤكدة أن المؤسسة الأميركية الإسرائيلية تحولت إلى غطاء لجرائم الحرب لا إلى وسيلة إغاثة.
كما أصدرت منظمات إنسانية عالمية بيانات تنديد، معتبرة أن عسكرة المساعدات تشكل سابقة خطيرة تُخرج العمل الإنساني من مساره وتحوّله إلى سلاح حرب. في هذا السياق، يُطرح السؤال: كيف يمكن للدول الأوروبية التي تموّل المؤسسة أن تدّعي الالتزام بالقانون الدولي بينما تشارك فعلياً في مشروع يقتل المدنيين؟
أبعاد سياسية خطيرة
التصريحات الأخيرة تكشف أن المؤسسة ليست مجرد مبادرة إغاثية مشبوهة، بل جزء من هندسة سياسية واسعة تهدف إلى إعادة صياغة المشهد في غزة بما يخدم إسرائيل. فبدلاً من الاعتماد على الأمم المتحدة، أرادت واشنطن وتل أبيب أن تنشئا قناة بديلة تتحكم في الغذاء، وتستغل التمويل الأوروبي كغطاء “شرعي” لاستمرارها.
هذا التورط الأوروبي يعكس ازدواجية خطيرة: ففي العلن، تتحدث أوروبا عن “وقف الحرب” و”تقديم المساعدات”، بينما في الكواليس تضخ أموالاً في مشروع يساهم بفعالية في قتل الفلسطينيين وتجويعهم. وهو ما يفسر الإصرار على إخفاء أسماء الدول الممولة خوفاً من الفضيحة الداخلية أمام الرأي العام.
خاتمة: أوروبا شريك في الجريمة
إن كشف مؤسسة غزة الإنسانية عن تلقيها تمويلاً من دول أوروبية، مع استمرار الجرائم المرتبطة بها، يضع الغرب أمام اختبار أخلاقي وقانوني خطير. فتمويل مؤسسة تورطت في قتل المدنيين الجوعى، يعني ببساطة أن هذه الأموال أصبحت شريكاً مباشراً في سفك الدم الفلسطيني.
اليوم، لم يعد الفلسطينيون يُقتلون فقط برصاص إسرائيلي أو بصمت دولي، بل أيضاً بأموال أوروبية يجري ضخها في مؤسسات مشبوهة تتخذ من “الإنسانية” ستاراً، بينما وظيفتها الحقيقية هي تكريس التجويع والإبادة. وهنا، يصبح السؤال الحتمي: هل ستجرؤ أوروبا على مواجهة هذه الحقيقة، أم ستواصل سياسة الإنكار حتى تُفضح أمام شعوبها بأنها شريك في أكبر جرائم القرن؟
اقرأ أيضًا : رصاص الاحتلال يكمّم الحقيقة: اغتيال الصحفيين في غزة جريمة حرب ممنهجة