مع اشتداد المنخفضات الجوية وتزايد كميات الأمطار، دخل قطاع غزة مرحلة أكثر قسوة من الكارثة الإنسانية المستمرة منذ أكثر من عام، في ظل بنية تحتية مدمرة، ومخيمات نزوح هشة، وعجز شبه كامل في الخدمات الأساسية. منظمات إنسانية محلية ودولية حذّرت من أن السيول التي تشكّلت في عدد من المناطق، لا سيما في وسط وجنوب القطاع، فاقمت معاناة مئات آلاف النازحين الذين يعيشون داخل خيام مهترئة لا تقيهم البرد ولا تحميهم من مياه الأمطار.

وأفادت تقارير ميدانية بأن الأمطار الغزيرة تسببت في اقتلاع عشرات الخيام وجرف بعضها، وغمرت المياه أماكن إيواء مؤقتة أُقيمت فوق أراضٍ زراعية أو مناطق رملية، ما أدى إلى تشريد عائلات بأكملها للمرة الثانية أو الثالثة منذ بدء الحرب. وتحوّلت المخيمات إلى برك طينية، وسط غياب أي وسائل للتدفئة أو مواد عازلة، ومع انعدام شبه كامل للوقود والكهرباء.

الشتاء كسلاح إضافي ضد المدنيين

ترى منظمات إغاثية أن فصل الشتاء بات يشكّل “سلاحًا غير مباشر” يُستخدم ضد سكان غزة، في ظل منع الاحتلال إدخال مستلزمات الإيواء الشتوي من أغطية وملابس ووقود، وعرقلة وصول مواد الإغاثة الأساسية. وأكدت هذه المنظمات أن الأطفال وكبار السن والمرضى هم الأكثر عرضة للخطر، مع تسجيل ارتفاع في حالات الالتهاب الرئوي والأمراض الجلدية وسوء التغذية، خاصة بين الأطفال.

وبحسب تقديرات أممية، فإن أكثر من 1.7 مليون فلسطيني في غزة يعيشون حالة نزوح داخلي، غالبيتهم يقيمون في خيام أو مدارس مدمرة أو مبانٍ غير صالحة للسكن، ما يجعل أي منخفض جوي تهديدًا مباشرًا للحياة. ورغم النداءات المتكررة، لا تزال الاستجابة الدولية دون مستوى الكارثة، وسط صمت سياسي مريب.

أزمة الغاز.. شلل كامل للحياة اليومية

في موازاة الكارثة المناخية، تتفاقم أزمة الغاز بشكل غير مسبوق، ما يضاعف معاناة السكان ويشلّ أدنى مقومات الحياة. وقال رئيس هيئة البترول في قطاع غزة، إياد الشوربجي، إن القطاع يواجه أزمة حادة وخطيرة في إمدادات غاز الطهي، موضحًا أن غزة تحتاج إلى نحو 8 آلاف طن من الغاز شهريًا، أي ما يعادل 260 طنًا يوميًا لتلبية الحد الأدنى من احتياجات السكان.

وأضاف الشوربجي أن الكميات التي دخلت القطاع منذ 10 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي لا تتجاوز 128 شاحنة فقط، بمعدل شاحنتين يوميًا، وبكمية إجمالية تقارب 40 طنًا، وهو رقم لا يغطي سوى نسبة ضئيلة جدًا من الاحتياج الفعلي. وأشار إلى أن هذا العجز انعكس مباشرة على قدرة العائلات على الطهي وتسخين المياه، كما أثر على عمل المخابز والمستشفيات ومراكز الإيواء.

تعنّت الاحتلال وإغلاق المعابر

تُجمع المؤسسات الإنسانية على أن السبب الرئيسي لتفاقم الأزمة لا يعود فقط إلى الدمار الواسع، بل إلى سياسة التعنّت الإسرائيلية في إدخال المساعدات، وفرض قيود مشددة على المعابر، وتحويل الإغاثة إلى أداة ضغط سياسية وأمنية. فرغم وجود قوائم طويلة من الاحتياجات الإنسانية العاجلة، لا يزال الاحتلال يتحكم في نوعية وكميات المساعدات المسموح بدخولها، ويمنع إدخال مواد يعتبرها “حساسة”، بينها الوقود والغاز والخيام ومواد البناء.

وتؤكد منظمات دولية أن ما يدخل إلى غزة لا يلبّي الحد الأدنى من الاحتياجات، وأن آلية التفتيش والتأخير المتعمد تؤدي إلى إفساد المواد الغذائية والطبية، في انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني، الذي يُلزم قوة الاحتلال بضمان احتياجات السكان المدنيين.

أين الوسطاء؟ وأين المجتمع الدولي؟

في ظل هذا المشهد القاتم، يبرز سؤال جوهري: أين الوسطاء الذين يتحدثون عن تهدئة ومسارات إنسانية؟ وأين الضمانات التي قُدمت بشأن تدفق المساعدات؟ فبينما تتواصل اللقاءات السياسية والتصريحات الدبلوماسية، يغرق سكان غزة في الوحل، ويموتون بردًا وجوعًا، دون أي تغيير حقيقي على الأرض.

ويرى مراقبون أن فشل الوسطاء في فرض التزامات إنسانية واضحة، وغياب ضغط فعلي على الاحتلال، شجّع تل أبيب على الاستمرار في سياسة العقاب الجماعي، مستخدمة الحصار والطقس والاحتياجات الأساسية كسلاح ضد أكثر من مليوني إنسان.

كارثة مفتوحة على الأسوأ

تحذيرات المنظمات الإنسانية تشير بوضوح إلى أن الأسابيع المقبلة قد تكون الأخطر، مع توقع استمرار الأمطار، وتدهور الأوضاع الصحية، ونفاد المخزونات الغذائية والوقود. وفي غياب تدخل دولي عاجل وملزم، تبدو غزة أمام شتاء قاسٍ قد يحصد مزيدًا من الأرواح، ليس بالقصف فقط، بل بالإهمال والحصار والصمت الدولي.

وفيما تتزايد مشاهد الخيام المقتَلعة والوجوه المنهكة، يبقى السؤال معلقًا: كم يجب أن تمطر غزة من معاناة، قبل أن يتحرك العالم؟

اقرأ أيضًا : فيدان يحذر: إسرائيل تنفّذ مخططًا لإفراغ غزة من سكانها