حذّر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان من مخطط إسرائيلي خطير يهدف إلى إفراغ قطاع غزة من سكانه الفلسطينيين، مؤكدًا أن ما يجري على الأرض لا يمكن فصله عن مشروع تهجير قسري منظم، يُنفَّذ تحت غطاء الحرب والأمن، وبصمت دولي مريب. واعتبر فيدان أن استمرار العدوان الإسرائيلي وخرق وقف إطلاق النار يكشف نية واضحة لتغيير الواقع الديمغرافي في القطاع، وليس فقط “القضاء على حماس” كما تزعم تل أبيب.
جاءت تصريحات فيدان خلال لقاء متلفز مع قناة “تي في نت” التركية، شدد فيه على أن تركيا تنظر إلى الحرب على غزة باعتبارها إبادة جماعية مكتملة الأركان، تستخدم فيها إسرائيل القتل الجماعي، والتجويع، وتدمير مقومات الحياة، كوسائل لدفع الفلسطينيين إلى الرحيل القسري.

وقف إطلاق نار هش… وجرائم مستمرة
أكد وزير الخارجية التركي أن وقف إطلاق النار الذي جرى التوصل إليه بجهود دولية وتركية، لا يزال هشًا ويتعرض لانتهاكات متكررة من جانب جيش الاحتلال، مشيرًا إلى أن هذه الخروقات ليست حوادث معزولة، بل جزء من سياسة إسرائيلية قائمة على فرض واقع جديد بالقوة.
وقال فيدان إن أنقرة، بقيادة الرئيس رجب طيب أردوغان، كثفت تحركاتها السياسية والدبلوماسية منذ اليوم الأول للحرب، سواء عبر الاتصالات الثنائية أو داخل المنظمات الدولية، لوقف العدوان الإسرائيلي، إلا أن تعنّت حكومة الاحتلال، المدعومة أمريكيًا، حال دون التوصل إلى تسوية حقيقية.
قوة دولية… الخيار الوحيد لوقف التهجير
في صلب تحذيره، شدد فيدان على أن السبيل العملي الوحيد لمنع تنفيذ المخطط الإسرائيلي يتمثل في نشر قوة استقرار دولية داخل قطاع غزة، تكون مهمتها الأساسية حماية المدنيين الفلسطينيين، وضمان الأمن، ومنع الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة.
وأوضح أن هذه القوة يجب أن تمتلك صلاحيات حقيقية على الأرض، لا أن تكون مجرد آلية مراقبة شكلية، مشيرًا إلى أن وجود قوة دولية فعالة هو العامل الوحيد القادر على كبح سياسة “الأرض المحروقة” التي تنتهجها إسرائيل، وقطع الطريق أمام مشروع إفراغ غزة من سكانها.
مجلس الأمن والاختبار الحقيقي للإرادة الدولية
لفت فيدان إلى أن مجلس الأمن الدولي اعتمد في 18 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي مشروع قرار يقضي بإنشاء قوة دولية مؤقتة في غزة حتى نهاية عام 2027، معتبرًا أن التحدي لا يكمن في صدور القرار، بل في طريقة تنفيذه، وتركيبة القوة، وحدود صلاحياتها.
وشدد على أن المهمة الأساسية لتلك القوة يجب أن تتمثل في إنشاء خط فاصل يمنع الاعتداءات الإسرائيلية، ويضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عرقلة أو ابتزاز، مؤكدًا أن أي قوة لا تملك القدرة على ردع الاحتلال ستتحول إلى غطاء جديد لجرائمه.
إسرائيل تفرض شروطها… وواشنطن الغطاء
أقرّ فيدان بأن حكومة الاحتلال تحاول فرض شروطها على هوية القوات المشاركة في القوة الدولية، مستخدمة نفوذها السياسي عبر الولايات المتحدة، بهدف استبعاد الدول التي تبنّت مواقف صريحة ضد جرائمها، وعلى رأسها تركيا.
وأشار إلى أن تل أبيب تتحفظ على أي دور تركي محتمل، بسبب كون أنقرة الدولة الأكثر انتقادًا وضغطًا على إسرائيل خلال الحرب، إلا أن فيدان شدد على أن مشاركة تركيا من عدمها ليست جوهر القضية، بل الأهم هو حماية الفلسطينيين ووضع حد للاحتلال.
إبادة جماعية بأرقام صادمة
وفي معرض حديثه عن حجم الجرائم، ذكّر وزير الخارجية التركي بأن الإبادة الجماعية التي شنتها إسرائيل على غزة منذ 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023، وأسفرت عن أكثر من 70 ألف شهيد، وأكثر من 171 ألف جريح، غالبيتهم من النساء والأطفال، إلى جانب تدمير شبه كامل للبنية التحتية، وتحويل القطاع إلى منطقة غير صالحة للحياة.
وأكد أن هذه الأرقام تكشف الطبيعة الإجرامية للعدوان الإسرائيلي، وتفضح فشل المجتمع الدولي في حماية المدنيين الفلسطينيين، محذرًا من أن الصمت الدولي شجّع الاحتلال على المضي قدمًا في سياسة القتل والتهجير.
غزة على مفترق طرق
اختتم فيدان تصريحاته بالتأكيد على أن ما يجري في غزة ليس أزمة إنسانية عابرة، بل معركة وجود، مشددًا على أن فشل المجتمع الدولي في منع مخطط إفراغ القطاع سيشكل سابقة خطيرة، ويفتح الباب أمام مشاريع تهجير جديدة في فلسطين والمنطقة.
وبينما تواصل إسرائيل جرائمها بلا رادع، تضع التحذيرات التركية المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وسياسي حاسم: إما التحرك الفعلي لوقف الإبادة وحماية الفلسطينيين، أو تسجيل لحظة سوداء جديدة في تاريخ الصمت على جرائم الاحتلال.
اقرأ أيضًا : مسيرة “لا بدّ للقيد أن ينكسر” في تونس… الشارع يتحدّى قبضة قيس سعيّد