أعلنت وكالة الأنباء الأردنية الرسمية “بترا” أن مدعي عام محكمة أمن الدولة أحال ملفات مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين تتعلق بجمع الأموال إلى النائب العام في عمّان. هذه الخطوة جاءت بعد توقيف عشرة أشخاص على ذمة التحقيق، إلى جانب شخصين آخرين أحدهما خارج البلاد والآخر أُخلي سبيله بكفالة مالية.
الاتهامات الرسمية ركزت على إدارة شبكة مالية غير قانونية، اعتمدت على التبرعات وعوائد الاستثمارات والاشتراكات، وقيل إن حجمها تجاوز 30 مليون دينار (42 مليون دولار) خلال ثماني سنوات. السلطات زعمت أن الأموال صُرفت على أنشطة للجماعة وأذرعها، بل وتم تحويل جزء منها للخارج، في حين استُخدم قسم آخر في حملات سياسية داخلية عام 2024.
هذه الاتهامات تأتي في سياق تضييق ممتد منذ سنوات على الجماعة، التي حُظرت رسمياً، لتُصبح العلاقة بينها وبين النظام الأردني عنواناً لصراع سياسي وأمني متصاعد، يتجاوز مجرد نزاع قانوني حول مصادر التمويل إلى ملف أوسع يتعلق بمكانة الحركة الإسلامية في المشهد الداخلي.

الجماعة بين “المال” والشرعية السياسية
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تتعرض فيها الجماعة لمثل هذه الاتهامات. ففي نيسان/ أبريل الماضي، اعتقلت الأجهزة الأمنية نائب المراقب العام أحمد الزرقان، كما أوقفت الشيخ إبراهيم اليماني، عضو مجلس الشورى، في مداهمات طالت قيادات بارزة. وفي تموز/ يوليو الماضي، وجهت الحكومة اتهامات مباشرة للجماعة بجمع 30 مليون دينار بشكل غير مشروع.
ما يثير الجدل هنا أن النظام الأردني يستخدم لغة “الأموال المشبوهة” لتبرير إجراءاته، في حين أن أنشطة الجماعة المالية كانت تاريخياً معلنة إلى حد كبير: تبرعات، اشتراكات، استثمارات اجتماعية وتعليمية. غير أن السياق الحالي يكشف عن دوافع أعمق: تفكيك أي نفوذ سياسي قد يشكل تهديداً لشرعية الحكم.
الجماعة في الأردن مثّلت تاريخياً قوة معارضة منظمة، قادرة على التعبئة الشعبية، والتأثير في النقابات والجامعات، بل والدخول إلى البرلمان عبر التحالفات الانتخابية. لذلك فإن استهداف بنيتها المالية يُعتبر محاولة لتجفيف مصادر قوتها السياسية.
البعد الإقليمي وصراع الولاءات
القضية لا يمكن قراءتها بمعزل عن المشهد الإقليمي. فالإخوان المسلمون يواجهون منذ سنوات حملة إقليمية قادتها مصر والسعودية والإمارات، تقوم على تصنيف الجماعة تنظيماً إرهابياً وتجفيف مواردها. الأردن، الذي ظل لعقود يحافظ على علاقة “حذرة” مع الجماعة، يبدو أنه انخرط أكثر في هذا التوجه.
المصادر الرسمية تحدثت عن تحويل أموال للخارج وتمويل “خلايا”، في إشارة تحمل رسائل سياسية أكثر من كونها مجرد معلومات قضائية. هنا يظهر تساؤل حول طبيعة تلك الخلايا: هل هي مرتبطة فعلاً بأنشطة غير قانونية، أم أن النظام يوظف هذه اللغة لشيطنة خصومه؟
الأمر الأهم أن هذه الخطوة قد تكون مرتبطة أيضاً بضغوط حلفاء إقليميين على عمان لتصفية نفوذ الإخوان، خصوصاً في لحظة سياسية شديدة الحساسية تشهدها المنطقة مع تصاعد الحرب في غزة، وصعود خطاب المقاومة الذي يضع الأنظمة الموالية لـ”المحور الأمريكي – الإسرائيلي” في مأزق.
ملك الأردن.. بين “الخيانة” والبحث عن الشرعية
أصوات معارضة في الداخل والخارج وصفت هذه الإجراءات بأنها خيانة من الملك عبد الله الثاني، معتبرة أنها تأتي استجابةً لإملاءات إقليمية ودولية، على حساب القوى الوطنية والإسلامية في الداخل.
النظام الأردني لطالما برر سياساته الأمنية بضرورة “الحفاظ على الاستقرار”، لكن منتقديه يرون أن هذه السياسة تحولت إلى أداة لتفكيك أي بديل سياسي، ولقطع الطريق على أي حركة قد تتبنى خطاباً معارضاً للسياسات الرسمية، خاصة تجاه فلسطين.
اتهام الملك بالخيانة يرتبط تحديداً بمواقفه في السنوات الأخيرة: من التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي، إلى الموقف الرمادي من العدوان على غزة، وصولاً إلى التضييق المستمر على الحركات الشعبية والإسلامية. بذلك، فإن إحالة ملفات الإخوان المالية ليست مجرد قضية فساد محتملة، بل جزء من استراتيجية لإقصاء أي قوة قد تشكل تهديداً لشرعية الحكم الوراثي.
قراءة مستقبلية: تصعيد أم انحدار؟
من الواضح أن السلطة الأردنية تمضي في مسار متدرج لتفكيك ما تبقى من نفوذ الإخوان. تحويل الملفات إلى النائب العام قد يمهد لإجراءات أشد قسوة: مصادرة أموال، إغلاق مؤسسات، وربما إصدار أحكام ثقيلة بالسجن.
لكن هذا المسار محفوف بالمخاطر، فالتضييق المفرط على جماعة ذات جذور اجتماعية عميقة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، منها زيادة التوتر الداخلي، أو دفع بعض القواعد إلى خيارات أكثر راديكالية.
في المقابل، قد ينجح النظام في استثمار هذه الإجراءات لتعزيز صورته أمام حلفائه الإقليميين والدوليين كحليف “مخلص” في مواجهة الإسلام السياسي. لكن السؤال يبقى: هل الاستقرار يُبنى عبر تجريف الحياة السياسية وتفريغها من المعارضة؟ أم أن هذه السياسات ستُفاقم من عزلة النظام وتعمّق الفجوة بين الحكم والشعب؟
خلاصة
تحويل قضايا مالية مرتبطة بجماعة الإخوان من محكمة أمن الدولة إلى النائب العام في الأردن، ليس مجرد خطوة قانونية. إنها جزء من معركة أوسع على مستقبل الحياة السياسية في المملكة. النظام يستخدم لغة القانون لتصفية حسابات سياسية، فيما يتهمه خصومه بـ”الخيانة” والتفريط في الداخل والخارج.
القرار قد يعزز ولاء النظام لحلفائه الإقليميين، لكنه يطرح في المقابل سؤالاً جوهرياً حول كلفة هذا الخيار على شرعية الحكم نفسه: هل يمكن للملك أن يضمن استقراراً دائماً عبر إقصاء أوسع حركة معارضة في البلاد؟ أم أن هذه السياسة ستتحول إلى وصفة لأزمات جديدة في بلد يعاني أصلاً من أزمات اقتصادية واجتماعية خانقة؟
اقرأ أيضًا : بريطانيا.. اعتقالات في صفوف مؤيدين لفلسطين أمام مؤتمر حزب العمال