شهدت مدينة ليفربول البريطانية، الأحد، حملة اعتقالات واسعة نفذتها الشرطة ضد متظاهرين مؤيدين لفلسطين، على هامش انعقاد المؤتمر السنوي لحزب العمال. الاحتجاج، الذي شارك فيه نحو مئة شخص، جاء رداً على موقف الحزب والحكومة من الحرب الإسرائيلية في غزة، واحتجاجاً على قرار حظر منظمة Palestine Action وتصنيفها “إرهابية”. هذه التطورات تعكس اتساع دائرة القمع في بريطانيا ضد الأصوات المناهضة للاحتلال الإسرائيلي، في وقت يصف فيه ناشطون هذه السياسات بأنها انقلاب على القيم الديمقراطية التي طالما تغنّت بها لندن.

تفاصيل الاعتقالات ومبررات الشرطة
وفقاً لمنظمة Defend Our Juries الحقوقية، رفع المشاركون في التجمع لافتات كُتب عليها: “أعارض الإبادة الجماعية.. أؤيد بالستاين أكشن”، في إشارة واضحة إلى رفض المجازر الإسرائيلية في غزة. الشرطة البريطانية اعتبرت ذلك “دعماً لمنظمة محظورة”، لتشن حملة اعتقالات جماعية شملت عشرات الأشخاص.
شرطة ميرسيسايد أعلنت في بيان أنها أوقفت عدداً من المتظاهرين “للاشتباه في حيازتهم أو عرضهم مواد تدعم منظمة محظورة”، مؤكدة أن التحقيقات لا تزال جارية. غير أن مراقبين وصفوا الأمر بأنه استهداف سياسي مقصود يهدف إلى إسكات أي صوت يفضح تورط الحكومة البريطانية في دعم الاحتلال الإسرائيلي.
منظمة بالستاين أكشن بين الحظر والمقاومة المدنية
القرار الحكومي بحظر Palestine Action في يوليو/تموز الماضي مثّل نقطة تحول مفصلية في علاقة لندن مع حركات التضامن الفلسطيني. فهذه المرة الأولى التي تُصنّف فيها بريطانيا منظمة احتجاجية محلية باعتبارها “إرهابية”.
المنظمة نفسها كانت قد تبنّت سلسلة من العمليات المباشرة التي استهدفت مصانع أسلحة مرتبطة بإسرائيل، بل وأعلنت مسؤوليتها عن إلحاق أضرار بطائرتين عسكريتين في قاعدة سلاح الجو الملكي. وبدلاً من فتح نقاش عام حول مشروعية تصدير السلاح إلى جيش الاحتلال، اختارت الحكومة تجريم الحركة وإغلاق باب النقاش.
هذا النهج يعكس – بحسب منتقدين – انحيازاً صارخاً لمصالح الاحتلال على حساب حرية التعبير، إذ يُجرّم النشاط المدني بينما يُشرعن استمرار تزويد إسرائيل بالسلاح الذي يُستخدم ضد المدنيين في غزة.
موقف حزب العمال: صمت مُريب واتهامات بالتواطؤ
اللافت أن حزب العمال، الذي يستضيف مؤتمره السنوي وسط هذه الاحتجاجات، لم يتخذ أي موقف داعم لحق الفلسطينيين أو حتى لحرية المتظاهرين. على العكس، اتُهم الحزب بإغلاق باب النقاش حول القضية الفلسطينية داخل المؤتمر، رغم أن عدداً من النقابات العمالية وأعضاء الحزب طالبوا بإدراجها على جدول الأعمال.
منظمة Defend Our Juries اتهمت الحزب بـ”التنصّل من واجبه القانوني في التحرك لمنع الإبادة”، واختياره السير على خطى الحكومة في ملاحقة النشطاء. هذا الموقف يعزز الانتقادات بأن قيادة الحزب، بزعامة كير ستارمر، تسعى إلى طمأنة اللوبي الصهيوني في بريطانيا وكسب رضا واشنطن وتل أبيب، حتى لو كان ذلك على حساب المبادئ التي نشأ الحزب عليها.
تصاعد القمع: 1600 اعتقال منذ يوليو
صحيفة الغارديان كشفت الأسبوع الماضي أن أكثر من 1600 شخص اعتُقلوا منذ دخول قرار الحظر حيّز التنفيذ في الخامس من يوليو/تموز، وُجّهت التهم إلى 138 منهم. الأرقام تكشف عن حملة قمع واسعة لم تشهدها بريطانيا في العقود الأخيرة ضد حركة تضامن محلية.
منظمة العفو الدولية عبّرت عن قلقها من “مخاطر جسيمة على حقوق الإنسان”، مؤكدة أن “اعتقال أشخاص يجلسون بهدوء حاملين لافتات أمر غير متناسب ومثير للقلق”. بهذا، تتحول بريطانيا من بلد يتغنى بحرية التعبير إلى دولة تُلاحق مواطنيها لمجرد التعبير عن رفضهم للإبادة في غزة.
البعد السياسي: بريطانيا شريك في الحرب لا وسيط
ما يجري لا يمكن قراءته بمعزل عن الدور السياسي والعسكري لبريطانيا في دعم الاحتلال الإسرائيلي. فالمملكة المتحدة تُعد من أبرز مصدري السلاح إلى تل أبيب، كما أن خطابها الرسمي في مجلس الأمن والأمم المتحدة غالباً ما يبرر العدوان الإسرائيلي بذريعة “الدفاع عن النفس”.
القبضة الأمنية ضد النشطاء المؤيدين لفلسطين ليست سوى امتداد لهذا الدور: قمع الداخل لضمان استمرار سياسات الخارج. بهذا، تبدو لندن وكأنها اختارت الاصطفاف الكامل مع الاحتلال، حتى لو كان الثمن هو سحق الحريات المدنية داخل حدودها.
انعكاسات على صورة بريطانيا الدولية
تاريخياً، سعت بريطانيا لتقديم نفسها كـ”حامية للحريات” و”مدافع عن الديمقراطية”، لكن الاعتقالات الأخيرة تعكس تناقضاً صارخاً مع هذه الصورة. فبينما تنتقد لندن دولاً أخرى على قمعها للمظاهرات، تمارس هي القمع نفسه ضد مواطنيها عندما يتعلق الأمر بفلسطين.
هذا التناقض يضعف مصداقية بريطانيا على الساحة الدولية، ويكشف عن ازدواجية معايير فاضحة، خصوصاً في ظل صمتها المطبق عن جرائم الإبادة التي تُرتكب يومياً في غزة.
خاتمة: معركة الوعي والحرية
ما يجري في ليفربول ليس حدثاً معزولاً، بل حلقة في سلسلة طويلة من التضييق على الحركات المؤيدة لفلسطين في أوروبا والغرب عموماً. غير أن هذه السياسات، رغم شدتها، تعكس في الوقت نفسه حجم القلق الذي يعيشه صناع القرار في لندن من تنامي موجة التضامن الشعبي مع غزة.
المفارقة أن بريطانيا، التي وعدت الفلسطينيين قبل قرن بوطن لليهود عبر “وعد بلفور”، تجد نفسها اليوم بعد قرن كامل تجرّم أبناءها إذا وقفوا بسلام يرفعون لافتة ضد الإبادة. إنها حلقة جديدة في سجل طويل من التواطؤ مع الاحتلال، لكنها أيضاً تذكير بأن معركة الوعي لا تُحسم بالقمع، بل بإصرار الشعوب على قول الحقيقة.
اقرأ أيضًا : حماس تنفي تسلم مقترحات جديدة وتكشف تعثر مسار المفاوضات في غزة