حذّر رئيس الوزراء اليمني السابق معين عبدالملك سعيد من أن مستقبل الأمن الغربي بات مرتبطاً بمعركة تعز، مؤكداً أن سقوط المدينة في أيدي الحوثيين سيهدد الوصول إلى مضيق باب المندب ويفتح الطريق أمام تقدم الجماعة نحو عدن. ويأتي التحذير بينما تتحول الحرب اليمنية إلى أزمة تتجاوز حدود البلاد، مع توسع استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة لتهديد المدن والمنشآت النفطية وطرق التجارة.

لكن استدعاء «الأمن الغربي» لحشد الدعم يفتح سؤالاً عن مسؤولية القوى الغربية نفسها: كيف ساهمت سياسات التسليح والتدخل، والتعامل مع المنطقة باعتبارها موانئ وممرات ومناطق نفوذ، في إضعاف فرص بناء أمن مستقر؟ فالغرب الذي تعامل طويلاً مع الحروب العربية باعتبارها أزمات يمكن احتواء آثارها بعيداً عن أراضيه، يجد مصالحه الاقتصادية والعسكرية اليوم أمام تداعياتها.

بهذا المعنى، يحصد الغرب جانباً مما زرعته سياساته، إلى جانب مسؤولية القوى الإقليمية والمحلية التي أشعلت الصراعات ووسّعتها. فحماية التجارة من دون حماية المجتمعات، ودعم الحلفاء بالسلاح من دون مساءلة، لا يصنعان استقراراً دائماً؛ بل يؤجلان وصول الخطر إلى الدول الأقوى، بينما تدفع الشعوب الأضعف الثمن أولاً.

 

تعز تحت الضغط.. والخطر يمتد إلى باب المندب

في مقابلة نشرتها «الغارديان» في 16 أكتوبر/تشرين الأول، قال معين عبدالملك، الذي تولى رئاسة الحكومة بين عامي 2018 و2024 ويعمل حالياً مستشاراً للرئيس رشاد العليمي، إن الحوثيين يسعون إلى السيطرة على اليمن كله، وإن معركة تعز تمثل مرحلة أساسية في هذا المسار.

وترتبط أهمية المدينة بموقعها والمرتفعات المحيطة بها والطرق المؤدية إلى الساحل الغربي والمخا والجنوب. ومن هذا المنطلق، حذّر عبدالملك من أن خسارتها ستضعف قدرة القوات الحكومية على الوصول إلى المضيق، وتمنح الحوثيين فرصة لتوسيع تقدمهم نحو محافظة لحج وعدن.

وقال إن المعلومات المتاحة للحكومة تشير إلى اهتمام الحوثيين بمواقع جنوبية، بينها معسكر سوفيتي سابق في منطقة الصبيحة بمحافظة لحج. وهذه قراءة يقدمها مسؤول يمني سابق لمسار العمليات؛ أما النتيجة التي يخشى منها فهي امتداد السيطرة الحوثية من الجبهة الساحلية إلى مناطق أوسع، بما يضاعف الضغط على الحكومة المعترف بها دولياً.

وفي حديثه آنذاك، حذّر من اقتراب حصار شامل لتعز ومحاولة اقتحامها، موضحاً أن السماح بدخول بعض الوقود والسلع لا يعني انتهاء الخطر، مع استمرار تمدد الجماعة في المناطق المحيطة. وتضم المنطقة الحضرية للمدينة أكثر من نصف مليون نسمة، ما يجعل أي تشديد للحصار تهديداً مباشراً للغذاء والوقود والعلاج.

 

اعتراف من داخل السلطة: الانقسام أضعف الجبهة

لم يحصر عبدالملك تفسير التدهور في قوة الحوثيين أو الدعم الإيراني. فقد أقر بأن ضعف التنسيق بين القوات الحكومية، والتنافس بين الدول الخليجية، والتأخر في تقدير أثر الأسلحة بعيدة المدى، ساهمت جميعاً في الوصول إلى الوضع الحالي.

وحدد المشكلة في ضعف التواصل بين قوات درع الوطن والمقاومة الوطنية وألوية العمالقة. كما أقر بأن الفترة التي أعقبت هدنة 2022 لم تُستثمر بما يكفي لإعادة تنظيم القوات، وأن الحكومة لم تكن مستعدة لخسارة الساحل الغربي، الأمر الذي أتاح للحوثيين الضغط على تعز من أربعة محاور.

وتكشف هذه الاعترافات خللاً يتجاوز إدارة معركة واحدة. فوجود تشكيلات مسلحة متعددة لا يعادل وجود جيش موحد، خصوصاً حين تختلف ولاءاتها وأولوياتها ومصادر دعمها. وعندما تتنافس القوى الإقليمية على النفوذ داخل البلد نفسه، يصبح بناء قيادة مشتركة أكثر صعوبة، ويستفيد الخصم من الانقسام حتى قبل بدء الهجوم.

وبحسب عبدالملك، تعتمد القوات المدافعة عن تعز على أسلحة خفيفة، فيما لم تستعد السعودية مبكراً لهذا التصعيد. وهذا التفاوت بين حجم التهديد ومستوى الاستعداد يضع المدنيين أمام نتائج إخفاق سياسي وعسكري تراكم خلال سنوات.

 

مواجهة الحوثيين تصطدم مجدداً بمشروع الانفصال

يتزامن الخطر على تعز مع استمرار الخلاف على مستقبل الجنوب. فقد ربط عيدروس الزبيدي، زعيم المجلس الانتقالي الجنوبي، الدعوة إلى تعبئة القوات الجنوبية ضد الحوثيين بمطلب إجراء استفتاء على الانفصال خلال عامين، وفق المادة المنشورة.

وهنا تظهر صعوبة توحيد الجبهة: فبعض القوى تتعامل مع القتال باعتباره دفاعاً عن الدولة اليمنية، بينما تربطه قوى أخرى بضمانات لمشروع سياسي مختلف. وتتحول الحاجة العاجلة إلى صد الهجوم إلى ساحة تفاوض على شكل الدولة وحدودها.

ودعا عبدالملك إلى تقديم مواجهة الخطر الحوثي على بقية المطالب. لكن هذا النداء يكشف أيضاً مدى تأخر معالجة الانقسام؛ فالتنسيق الذي كان ينبغي بناؤه خلال سنوات الهدنة يُطلب الآن تحت ضغط تقدم عسكري وتهديد مدينة مكتظة بالسكان.

 

الصواريخ والمسيّرات غيّرت ميزان التهديد

يركز عبدالملك على التحول في القدرات الحوثية خلال العقد الماضي. فبحسب وصفه، انتقلت الجماعة من إطلاق صواريخ محدودة الدقة إلى امتلاك وسائل أكثر قدرة على إصابة أهداف بعيدة، مستفيدة من التدريب والخبرة والدعم الإيراني.

واستشهد بالهجوم على مطار عدن في ديسمبر/كانون الأول 2020، ثم استهداف أبوظبي في يناير/كانون الثاني 2022، والهجمات على منشآت تصدير النفط اليمنية خلال أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه. وقد ضربت الهجمات الأخيرة مورداً أساسياً للحكومة اليمنية، لتكشف أن السلاح يمكن أن يشل الإيرادات ويفاقم الأزمة الاقتصادية، إلى جانب إحداث خسائر بشرية ومادية.

ويرى عبدالملك أن توسع هذه القدرات جعل الحوثيين أكثر قدرة على الضغط العسكري والتفاوضي. كما ربط التصعيد الراهن بمصالح إيران في توسيع آثار الحرب عليها، عبر تهديد السعودية وطرق نقل الطاقة.

هذه الصلة لا تلغي مسؤولية الحوثيين عن قراراتهم. فاستخدام المدن والمطارات والمنشآت الاقتصادية أهدافاً للضغط يوسع دائرة الخطر، ويجعل حياة المدنيين وأرزاقهم جزءاً من حسابات المواجهة.

 

الغرب أمام نتائج سياسات لم تحمِ الدولة ولا المجتمع

لا يبدأ تاريخ التعامل الغربي مع جنوب الجزيرة العربية من الهجمات الحوثية. فقد خضعت عدن للحكم البريطاني حتى عام 1967، وكانت أهميتها الاستراتيجية مرتبطة بالميناء والموقع على طرق التجارة. واليوم يعود اليمن إلى صدارة الاهتمام الدولي بسبب موقعه قرب واحد من أهم الممرات البحرية.

لا يفسر الإرث الاستعماري وحده الحرب الحالية، لكنه يساعد على فهم استمرار نظرة تجعل قيمة المنطقة مرتبطة بما يمر عبرها، أكثر مما ترتبط بحق سكانها في الأمن والتنمية والسيادة. وتتجدد المشكلة عندما يصبح تهديد السفن أكثر قدرة على استنفار العواصم من حصار المدن وانهيار المستشفيات.

وفي العقود الأحدث، استمرت علاقات التسليح الغربية مع حلفاء شاركوا في الحرب اليمنية. وتوثق مكتبة مجلس العموم البريطاني استخدام القوات السعودية أسلحة بريطانية الصنع أو مرخصة بريطانياً في اليمن، بما فيها طائرات «تايفون» وصواريخ وقنابل، وسط الجدل بشأن انتهاكات القانون الإنساني.

ومن هنا يأتي النقد: القوى الغربية لم تكن مجرد مراقب فوجئ بالنتائج. فقد امتلكت نفوذاً عبر السلاح والعلاقات السياسية، لكن استمرار الحرب والانقسام كشف حدود السياسات التي قدمت التحالفات والمصالح على بناء تسوية قابلة للاستمرار. واليوم يصل أثر هذا الإخفاق إلى التجارة والطاقة والأمن الذي سعت تلك القوى إلى حمايته.

 

حرب جديدة بأدوات أقل كلفة

وصف عبدالملك هذا التحول بأنه «حقبة جديدة من الإرهاب المتطرف»، محذراً من جماعات مسلحة تمتلك خصائص سلطة الأمر الواقع، وتستخدم تقنيات منخفضة الكلفة ومكونات مهربة لتهديد دول أقوى منها عسكرياً.

وجوهر التحذير أن التفوق في الطائرات والجيوش التقليدية لا يضمن حماية كل مطار أو ميناء أو منشأة من هجمات متكررة. فالجماعة المهاجمة تستطيع اختيار الزمان والهدف، بينما يتعين على المدافع حماية مواقع كثيرة بصورة مستمرة.

وهذا يفسر دعوته دول الخليج إلى إعادة التفكير في دفاعاتها. لكنه يطرح سؤالاً أوسع من شراء منظومات إضافية: كيف يمكن تقليل التهديد نفسه، بدلاً من تمويل اعتراضه إلى أجل غير معلوم؟

فإذا بقيت الدولة اليمنية منقسمة، واستمرت مصادر التسليح والحرب، فلن تكفي الحماية العسكرية وحدها لإعادة الاستقرار. وستظل كل جولة اعتراض أو قصف قابلة لأن تتبعها جولة جديدة، بتكلفة يدفعها اليمنيون والمنطقة والاقتصاد العالمي.

إن التحذير من سقوط تعز يستدعي حماية سكانها قبل أي اعتبار آخر، لكنه يستدعي أيضاً مراجعة السياسات التي جعلت اليمن ساحة لتنافس الرعاة الخارجيين والمشروعات المسلحة. والغرب الذي يخشى اليوم على أمنه لا يستطيع معالجة هذا الحصاد بتكرار النهج نفسه: مزيد من السلاح، ومزيد من إدارة الأزمات، وتأجيل حقوق السكان والتسوية السياسية حتى تنتهي المعركة التالية.