في مشهد يختزل عمق التوتر الأمني والسياسي في قطاع غزة، أقدم جهاز أمن المقاومة الفلسطينية مساء الأحد على تنفيذ حكم الإعدام رمياً بالرصاص بحق ثلاثة أشخاص أدينوا بالتجسس لصالح الاحتلال الإسرائيلي، وذلك أمام حشد جماهيري واسع في شوارع مدينة غزة.
هذه الخطوة جاءت في إطار حملة أمنية متصاعدة تستهدف العملاء والمتعاونين مع الاحتلال، في وقت يسعى فيه الاحتلال إلى توسيع دائرة الاختراق الأمني في القطاع المحاصر منذ سنوات.

التنفيذ العلني ورسائله الرمزية
اختيار المقاومة أن يكون التنفيذ علنياً له دلالات واضحة؛ فهو رسالة مزدوجة موجهة إلى الداخل والخارج. داخلياً، أرادت الفصائل أن تؤكد للجمهور أنها تمتلك زمام المبادرة وأنها قادرة على مواجهة محاولات الاختراق رغم الظروف الصعبة من حصار وقصف متواصل. وخارجياً، أرادت أن تبعث برسالة إلى الاحتلال بأن أذرعه الأمنية مكشوفة وأن العملاء لن يجدوا حماية أو ملاذاً.
عقب التنفيذ، وزّعت أجهزة أمن المقاومة منشورات كتب عليها: “خيانتكم لشعبكم وتضحياته لن تمر دون عقاب حاسم”، وهو تعبير عن سياسة الردع التي تتبناها المقاومة في مواجهة من يختار التعاون مع الاحتلال، خاصة في ظل الظروف التي تجعل أي معلومة استخبارية مسرّبة قادرة على تحديد موقع قيادي أو استهداف خلية عسكرية.
تنامي ظاهرة العمالة.. وأدوات الاحتلال
ظاهرة التخابر مع الاحتلال ليست جديدة على الساحة الفلسطينية، لكنها تبرز في فترات التصعيد والحروب. يعتمد الاحتلال على عدة أدوات: المال، التهديد، استغلال الظروف المعيشية الصعبة، وأحياناً الابتزاز عبر ملفات شخصية أو عائلية. ومع توسع الاعتماد الإسرائيلي على الطائرات المسيّرة والاستخبارات التقنية، ازدادت الحاجة إلى “عين بشرية” داخل غزة تساهم في تحديد الأهداف وتحركات المقاومة.
ولعلّ أبرز ما أثار اهتمام المراقبين هو ربط أمن المقاومة بين هذه الإعدامات وملاحقة عناصر ما يُعرف بـ”مجموعة أبو شباب” في رفح، وهي مليشيا متهمة بالتنسيق مع الاحتلال لتأمين مناطق معينة وإضعاف سلطة المقاومة في الجنوب. هذه الإشارة تؤكد أن المعركة لم تعد مقتصرة على أفراد معزولين، بل تتصل بمحاولات الاحتلال تشكيل جماعات مسلحة بديلة داخل القطاع.
ردع أم جدل حقوقي؟
الإعدامات العلنية أثارت موجة نقاش واسعة بين الفلسطينيين والمتابعين. المؤيدون يرون أن الردع العلني ضرورة، لأن خيانة العملاء لا تقل خطورة عن القصف المباشر، بل ربما تفوقه كونها تفتح الباب أمام استهداف قيادات ميدانية وتجمعات مدنية. ويذهب هؤلاء إلى أن كشف العملاء ومعاقبتهم علناً هو رسالة ثقة للمجتمع مفادها أن المقاومة قادرة على حماية ظهرها.
في المقابل، هناك أصوات حقوقية تحذر من أن هذه الممارسات قد تثير انتقادات دولية، خاصة وأنها تتم خارج إطار القضاء الرسمي المعترف به. غير أن أنصار المقاومة يردون بأن ظروف غزة “الاستثنائية” تجعل من الضروري اللجوء إلى آليات ميدانية لحماية الأمن الداخلي، إذ لا مجال للتهاون مع من يتورط في تقديم معلومات تؤدي إلى قتل الأطفال والنساء وتدمير البيوت.
البعد الشعبي والسياسي
الحضور الجماهيري الكثيف لعملية الإعدام ليس مجرد فضول شعبي، بل يعكس في جانب منه مستوى الغضب الشعبي تجاه من يتورط في العمالة. ففي مجتمع يعاني الحصار والقصف، يُنظر إلى العميل باعتباره خنجراً في الظهر، لا مجرد مخالف للقانون. لهذا، جاء الهتاف والتأييد الشعبي خلال التنفيذ ليؤكد أن المقاومة ليست معزولة عن بيئتها الشعبية، بل تستمد منها الشرعية في مواجهة الاحتلال وأدواته.
سياسياً، تعزز هذه العمليات صورة المقاومة كـ”سلطة أمر واقع” قادرة على إدارة الأمن الداخلي، في وقت تواصل فيه السلطة الفلسطينية في رام الله فقدان حضورها في القطاع. كما أنها رسالة بأن المقاومة ليست فقط ذراعاً عسكرياً يواجه الاحتلال، بل أيضاً مؤسسة أمنية تمارس الضبط المجتمعي.
المستقبل: تصاعد المعركة الأمنية
تصريحات المتحدث باسم أمن المقاومة، التي تضمنت تهديداً مباشراً لكل من ياسر أبو شباب ورامي حلس وأحمد جندية، تكشف أن هذه الحملة ليست حدثاً عابراً، بل بداية مرحلة جديدة من المواجهة الأمنية المفتوحة بين المقاومة والاحتلال. فالأخيرة لا تكتفي بالقصف الجوي بل تراهن على “الحرب الصامتة” عبر العملاء. أما المقاومة، فهي تدرك أن نجاحها العسكري مرهون بقدرتها على سد الثغرات الأمنية.
في ظل استمرار الحرب على غزة، من المرجح أن تتكثف هذه الحملات، وأن نشهد مزيداً من الإعدامات العلنية أو الميدانية، كجزء من معركة الوعي والردع التي تخوضها المقاومة. وربما يؤدي ذلك إلى مزيد من الانكشاف لخطط الاحتلال ومحاولاته زرع الفتن داخل المجتمع الفلسطيني.
خاتمة
إعدام ثلاثة مدانين بالعمالة في شوارع غزة ليس مجرد تنفيذ حكم؛ إنه فصل جديد في معركة المقاومة ضد الاحتلال، حيث الأمن والاستخبارات لا يقلان أهمية عن الصواريخ والأنفاق. وبين من يراها “عدالة ثورية” ضرورية لحماية المجتمع، ومن ينتقدها من منظور حقوقي، تبقى الحقيقة أن الاحتلال يخسر أحد أهم أوراقه كلما سقط عميل جديد في شوارع غزة. وبذلك تواصل المقاومة ترسيخ رسالتها: أن خيانة الدماء لا تغتفر، وأن الحرب ليست فقط على الحدود، بل أيضاً في عمق المجتمع.
اقرأ أيضا : الاحتلال يستخدم آلية جديدة لتدمير غزة.. انفجارات ترقى إلى جريمة حرب