في مشهد يفاقم منسوب المأساة الإنسانية التي تعيشها غزة منذ ما يقارب العامين، كشفت حركة حماس والمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان عن لجوء جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى أسلوب جديد في حرب الإبادة ضد سكان القطاع، يتمثل في استخدام عربات مسيّرة مفخخة محمّلة بأطنان من المتفجرات.

هذه العربات يجري تفجيرها وسط الأحياء السكنية المكتظة لإحداث دمار واسع النطاق وقتل المدنيين، في جريمة ترقى إلى مستوى جرائم الحرب وفق القانون الدولي الإنساني. الأخطر أن قوة الانفجارات تعادل زلازل بقوة 3.7 درجات على مقياس ريختر، ما يحوّل الأحياء إلى أنقاض ويضاعف معاناة مئات آلاف النازحين المحاصرين داخل المدينة.

 

عربات الموت: تقنية الإبادة الجماعية

بحسب بيان لحركة حماس، فإن الاحتلال “يسيّر العربات المفخخة إلى عمق الأحياء السكنية ثم يفجرها”، موضحة أن منظمات حقوقية وثقت خلال أسبوع واحد فقط تفجير نحو 120 عربة محمّلة بمئات الأطنان من المتفجرات. هذا الرقم يكشف عن استراتيجية إسرائيلية ممنهجة لا تستهدف أهدافًا عسكرية كما تدّعي، بل تهدف إلى محو الأحياء السكنية بما تحويه من بشر وحجر.
حماس شددت على أن ما يقوم به رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، يدخل ضمن حرب الإبادة الجماعية، مؤكدة أن دماء المدنيين تُستغل كأداة سياسية لبقائه في الحكم، وأن هذه السياسة المروعة لا يمكن تفسيرها إلا كجزء من مشروع لإفراغ غزة من سكانها وفرض واقع تهجيري جديد.

انفجارات بحجم زلازل.. حين تتحول المدينة إلى ركام

المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، ومقره جنيف، أكد من جانبه أن الاحتلال يفجر يوميًا أكثر من 17 عربة مفخخة داخل غزة، وأن كل انفجار يعادل زلزالًا بقوة 3.7 درجات على مقياس ريختر. خلال أسبوع واحد فقط، فجّر الاحتلال 120 عربة تزن نحو 840 طنًا من المتفجرات في قلب الأحياء السكنية.
هذا الأسلوب المروّع يجعل من مدينة غزة حقل تجارب عسكرية غير مسبوق في التاريخ المعاصر، حيث لا تُستخدم المتفجرات ضد أهداف عسكرية بل ضد مساكن المدنيين، ما يؤدي إلى انهيار البنية التحتية وانعدام إمكانية الحياة. والنتيجة المباشرة هي كارثة إنسانية مضاعفة: آلاف القتلى، عشرات آلاف الجرحى، ومئات آلاف النازحين الذين لم يعد لديهم مأوى أو أرض صالحة للحياة.

خطة إسرائيلية للتدمير الشامل

التقارير تشير إلى أن هذا النهج ليس عشوائيًا بل جزء من خطة حكومية إسرائيلية أقرتها حكومة نتنياهو في الثامن من الشهر الماضي، وتنص على إعادة احتلال قطاع غزة تدريجيًا بدءًا من مدينة غزة. هذه الخطة تُنفذ على الأرض عبر تدمير الأحياء واحدة تلو الأخرى بالقصف والتفجير الممنهج، ما يدفع السكان إما إلى النزوح القسري أو مواجهة الموت تحت الأنقاض.
وتؤكد الوقائع أن الأحياء الغربية من مدينة غزة، المكتظة بالنازحين الذين هُجروا سابقًا من الأحياء الشرقية، تتعرض حاليًا لأعنف الهجمات. الاحتلال يواصل القصف الجوي والمدفعي بالتوازي مع عمليات التفجير الأرضي، في مشهد يشي بمخطط هدفه إعادة رسم الخريطة الديمغرافية لغزة.

الدعم الأمريكي وصمت المجتمع الدولي

ما يعزز مأساوية المشهد هو الدعم السياسي والعسكري الأمريكي المفتوح لإسرائيل، حيث تواصل واشنطن تزويد جيش الاحتلال بالأسلحة والغطاء الدبلوماسي، رغم توثيق جرائم الإبادة بحق الفلسطينيين.
وبحسب بيانات فلسطينية، فإن الحرب التي بدأت في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 أسفرت حتى الآن عن 65,208 شهيدًا و166,271 مصابًا، معظمهم من النساء والأطفال، فضلًا عن مجاعة أودت بحياة 442 شخصًا بينهم 147 طفلًا. هذه الأرقام وحدها كافية لتصنيف ما يجري على أنه إبادة جماعية مكتملة الأركان، ومع ذلك فإن المجتمع الدولي يكتفي ببيانات شجب دون اتخاذ إجراءات عملية لوقف الجرائم أو محاسبة مرتكبيها.

جريمة حرب تستوجب المحاسبة

القانون الدولي الإنساني، وخصوصًا اتفاقيات جنيف، يحظر استهداف المدنيين أو استخدام أساليب تسبب دمارًا واسع النطاق دون تمييز. ما يقوم به الاحتلال باستخدام العربات المفخخة المسيّرة لا يترك مجالًا للشك في أن الأمر يرقى إلى جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية. تفجير عربات تحمل أطنان المتفجرات وسط أحياء مكتظة لا يمكن تبريره بأي ذريعة أمنية، بل يكشف عن نية واضحة لتدمير المدينة وإبادة سكانها.
لذلك، فإن المطالب الفلسطينية والدولية اليوم لا تقتصر على الدعوة لوقف إطلاق النار، بل تمتد إلى إجراءات محاسبة أمام المحكمة الجنائية الدولية، وفرض عقوبات على قادة الاحتلال، وفي مقدمتهم نتنياهو وأركان حكومته.

خاتمة: غزة على صفيح ساخن

بين عربات مفخخة تُحدث انفجارات بحجم الزلازل، وحصار خانق يحرم السكان من الغذاء والدواء، تبدو غزة اليوم وكأنها تعيش نهاية العالم. لكن وسط هذا الجحيم، يظل صمود أهلها شاهداً على فشل الاحتلال في كسر إرادة شعب يواجه الموت يوميًا دون أن يتخلى عن حقه في الحياة والحرية.
إن استمرار الصمت الدولي لا يعني سوى التواطؤ مع الجريمة، ما يجعل السؤال المطروح: إلى متى يبقى المجتمع الدولي عاجزًا أمام جريمة حرب معلنة ترتكب على الهواء مباشرة؟

اقرأ أيضًا : العرب غائبون.. والبرازيل تنضم إلى دعوى الإبادة ضد الاحتلال في “العدل الدولية”