توافقت قراءات صحف ومجلات عالمية كبرى على أن الولايات المتحدة تعيش، في ظل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حالة غير مسبوقة من الارتباك السياسي والتطرف في السلوك الخارجي، إلى درجة دفعت عددا من المعلقين لوصف المشهد بأنه فقدان جماعي للصواب داخل واشنطن. هذا التوصيف لم يأت من خصوم سياسيين داخليين فحسب، بل من صحافة غربية لطالما كانت جزءا من المؤسسة الفكرية الداعمة للدور الأميركي العالمي.
في هذا السياق، كتبت صحيفة الغارديان أن ما يسمى بـ«مجلس السلام» الذي شكله ترامب في قطاع غزة ليس سوى أداة هيمنة جديدة، أقرب إلى “محكمة إمبريالية” تفرض رؤيتها بالقوة السياسية والاقتصادية، وتعمل خارج أي إطار أممي شرعي. واعتبر كاتبها أن الانضمام إلى هذا المجلس يعني تقويض دور الأمم المتحدة والخضوع المباشر لإرادة البيت الأبيض، بما يحمله ذلك من إضعاف للنظام الدولي القائم على التعددية.

استهداف أونروا… خطوة إسرائيلية لتفكيك النظام الإنساني
من جانبها، ركزت صحيفة لوموند على البعد الإنساني والسياسي للتطورات في الأراضي الفلسطينية، ووصفت إقدام إسرائيل على هدم أحد مباني وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) في القدس بأنه “عمل دراماتيكي” يعكس مرحلة جديدة من سعي الحكومة الإسرائيلية لمنع أي دور دولي مستقل في حماية اللاجئين الفلسطينيين.
ورأت الصحيفة أن أونروا ليست الهدف الوحيد، بل إن إسرائيل تمضي نحو إعادة هندسة وجود المنظمات الدولية وغير الحكومية في غزة، من خلال فرض قيود جديدة، وطلب معلومات تفصيلية عن الموظفين الفلسطينيين، في مسعى واضح لتجفيف أي غطاء دولي إنساني أو حقوقي.
تحذيرات من تكرار كوارث التدخل العسكري
في مجلة فورين بوليسي، قدم السفير الأميركي السابق في دمشق روبرت فورد قراءة نقدية لسياسات ترامب الخارجية، محذرا من الانجرار خلف وهم قديم مفاده أن التدخل العسكري يفضي تلقائيا إلى الديمقراطية. وأكد فورد أن هذا “الأمل الزائف” أثبت فشله في العراق وأفغانستان وسوريا، وأن الإدارة الحالية تبدو مصممة على تجاهل الدروس القاسية للتاريخ الحديث.
ودعا فورد إلى كبح نزعة المغامرة العسكرية، معتبرا أن تكرار الإخفاقات لن يؤدي إلا إلى مزيد من الفوضى الإقليمية وتآكل مصداقية الولايات المتحدة.
غرينلاند… نقطة الانفجار مع أوروبا
أما صحيفة وول ستريت جورنال، فقد تناولت التصعيد المتزايد بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين على خلفية غرينلاند، مشيرة إلى أن الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على أوروبا أثارت قلقا واستياء واسعين. ونقلت عن مصادر دبلوماسية أوروبية أن الرغبة في “التكيف” مع سياسات ترامب تتلاشى، في ظل قناعة متزايدة بأنه قد لا يتردد في استخدام القوة لفرض أمر واقع في جزيرة غرينلاند.
وذهبت الصحيفة إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن أميركا “فقدت صوابها” في عهد ترامب، وأن القطيعة مع الحلفاء باتت عميقة إلى درجة يصعب معها إيجاد تفسير عقلاني لسلوك الإدارة الأميركية الحالية.
عام واحد غيّر وجه العالم
في الاتجاه نفسه، نشرت مجلة أتلانتيك مقالا للكاتب جوناثان لومير، أكد فيه أن ترامب أعاد تشكيل علاقة بلاده بالعالم خلال عام واحد فقط. ورأى أن كل ما شهده هذا العام من تدخلات وصدامات لا يساوي شيئا مقارنة بما قد يحدث إذا مضت واشنطن فعليا نحو الاستيلاء على غرينلاند وتعميق الصراع مع أوروبا.
وأشار الكاتب إلى أن السياسة الخارجية الأميركية اتسمت بتدخل مفرط امتد من إيران وسوريا إلى نيجيريا وفنزويلا، في مشهد يعكس ذهنية القوة العارية أكثر مما يعكس رؤية استراتيجية متماسكة.
غضب داخلي وتآكل الشرعية
داخليا، نقلت واشنطن بوست صورة قاتمة عن المزاج العام داخل الولايات المتحدة، مؤكدة أن غالبية الأميركيين لا يوافقون على سياسات ترامب بعد عام من حكمه. وكشفت الصحيفة أن الرئيس لجأ إلى إعادة هيكلة واسعة داخل مؤسسات الدولة لضمان ولائها، ما أضعف قدرة الولايات الفدرالية على مواجهة الكوارث الطبيعية والأزمات الصحية.
وأظهرت استطلاعات الرأي، بحسب الصحيفة، أن 57% من الأميركيين غير راضين عن أدائه، في مؤشر خطير على تآكل الشرعية الداخلية بالتوازي مع التصعيد الخارجي.
في المحصلة، ترسم الصحافة العالمية صورة لإدارة أميركية مندفعة، أقرب إلى الجنون السياسي، تدير العالم بمنطق الصفقات والتهديد، وتفتح أبوابا واسعة للفوضى. ومع غرينلاند في الواجهة، يبدو أن “الأسوأ لم يأت بعد”.
اقرأ أيضًا : فساد محمود عباس في مرمى نيران فتح: الطيراوي يهدد بكشف “الملفات السوداء”