في مشهد يعكس هشاشة الجبهة الداخلية للاحتلال الإسرائيلي، اندلعت سلسلة من حرائق الغابات المدمّرة في محيط مدينة القدس، ما أجبر سلطات الاحتلال على إخلاء عدد من البلدات القريبة من العاصمة، وتوقيف حركة القطارات، بينما تجتاح ألسنة اللهب أراضي كانت حتى وقت قريب تُروّج باعتبارها “ملاذاً آمناً”.
وسارعت الشرطة الإسرائيلية وفرق الإنقاذ إلى إعلان حالة الطوارئ، في محاولة يائسة للسيطرة على النيران، التي تمددت بسرعة بين بيت مئير وإشتاؤول ومسيلات تسيون، في جبال القدس. وأصيب ثلاثة رجال إطفاء حتى اللحظة، بينما تخشى سلطات الاحتلال من امتداد الحرائق إلى مناطق أكثر كثافة سكانية.
المفارقة أن هذه الحرائق التي وصفها الإسرائيليون بـ”الكارثية” تذكر الفلسطينيين، بل والعالم أجمع، بحرائق من نوع آخر ظلّت إسرائيل تشعلها لعقود فوق رؤوس أهل غزة. فكما أحرقت غابات القدس الآن، سبق للطائرات الإسرائيلية أن أحرقت منازل ومزارع ومدارس ومستشفيات في القطاع المحاصر، دون رحمة أو تمييز.
![]()
نتنياهو يطلب العون
في تطور لافت، وجّه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو المسؤولين إلى “فتح قناة اتصال مع اليونان ودول أخرى” لدراسة إمكانية تقديم مساعدات دولية، في مشهد يعكس عجز إسرائيل عن مواجهة كوارث طبيعية داخل حدودها، رغم ما تزعمه من تفوق تكنولوجي وعسكري.
شبكات الإعلام العبرية نقلت عن نتنياهو استعداده لطلب النجدة من الخارج، في حال تواصلت الحرائق على نفس الوتيرة، وهو ما أثار سخرية واسعة في الأوساط الفلسطينية والعربية، إذ لطالما تفاخرت إسرائيل بقدرتها على “تحقيق الردع”، لكنها اليوم عاجزة أمام لهب طبيعي لا صواريخ فيه ولا مقاومة.
الشرطة من جهتها أعلنت عبر منصات التواصل إجلاء السكان وإغلاق محاور حركة رئيسية، بينما أشارت صحيفة “معاريف” إلى تعبئة عامة لكل عناصر الإطفاء، واستخدام طائرات مكافحة حرائق على مدار الساعة. كما شارك الجيش الإسرائيلي –الذي يُفترض أن مهمته الدفاع عن الحدود– في عمليات الإطفاء، في مؤشر إضافي على عمق الأزمة.
ولكن السؤال الذي يطرحه كثير من المراقبين: أين اختفت هذه التعبئة حين كانت النيران تنهش أجساد أطفال غزة؟ لماذا لم تُفعّل أنظمة الطوارئ حين كانت الأحياء السكنية في القطاع تحترق بالصواريخ والقنابل الحارقة؟ يبدو أن “الإنسانية الإسرائيلية” تُستدعى فقط حين تشتعل النار في مستوطناتهم.
بين حرائق الطبيعة وجرائم الاحتلال
بينما تكافح إسرائيل اليوم للنجاة من ألسنة لهب جاءت من الطبيعة، يتذكر العالم تلك الصور المؤلمة لحرائق أشعلتها آلة الحرب الإسرائيلية في غزة، مستخدمة الفوسفور الأبيض والقنابل الموجهة، وأحيانا حتى بمنع وصول فرق الإطفاء والإغاثة الفلسطينية.
لقد قُصفت مستشفيات غزة، وأُحرقت مزارع الزيتون، وسُوِّيت أحياء كاملة بالأرض، دون أن تفكر إسرائيل يوماً بطلب “مساعدة دولية” لوقف عدوانها، أو في إجلاء سكان منازلهم لحمايتهم من النيران. على العكس، كان الإخلاء في غزة يعني أن يموت الناس في الشارع، لا في منازلهم.
واليوم، حين تتسابق الطائرات الإسرائيلية لإطفاء الحرائق، يتساءل الفلسطينيون: ماذا لو كان لديكم نفس الحماسة لإنقاذ أطفال غزة من الحرائق التي صنعتموها بأيديكم؟ ماذا لو وُجّهت هذه الطائرات، يوماً، لحماية المدنيين لا لحرقهم؟
لقد تحوّلت الحرائق التي تجتاح غابات القدس إلى مرآة تكشف زيف القوة الإسرائيلية، وتُظهر للعالم أن الاحتلال لا يقف شامخاً إلا حين تكون الضحية ضعيفة. أما حين تهاجمه الطبيعة، أو تواجهه مقاومة حقيقية، سرعان ما يرتبك ويطلب العون.
الطبيعة لا تُخدع بالبروباغندا. ولا تحترم ترسانة الأسلحة النووية. ولهذا، فإن مشهد الجنود وهم يهرعون لإطفاء الحرائق، يعبّر بدقة عن حال دولة أقامها الغرب بقوة النار، وها هي اليوم تذوق من ذات الكأس.
حين تحترق الأرض تحت أقدام المحتلين
الحرائق التي تجتاح الاحتلال اليوم ليست سوى تذكير بأن الجرائم لا تمر دون ثمن، وأن الأرض، مهما صمتت، لا تنسى. لقد ظلّت غزة تحترق لعقود بنيران القصف والحصار، واليوم تحترق “أرض الميعاد” بنيران الغابات.
وفي الوقت الذي يطلب فيه نتنياهو المساعدة من دول العالم، يبقى العالم نفسه مطالباً بموقف أخلاقي: إن كانت الحرائق في إسرائيل تستحق تدخلاً دولياً، فهل لا تستحق غزة ذات التضامن، بعد أن أُحرقت مرة تلو الأخرى بيد ذات الدولة التي تبكي الآن على أشجارها؟
ربما تكون هذه الحرائق درساً قاسياً، لكنه عادل. فمن يشعل الحرائق للآخرين، لا بد أن يأتي عليه يوم يُحاصر فيه باللهيب.
اقرأ أيضًا : عباس يهاجم المقاومة ويبرّئ الاحتلال: خيانة تُذاع على الهواء!