في الوقت الذي تصدر فيه الإمارات مشهد التحالفات الإقليمية المثيرة للجدل، يبرز اسم أنور قرقاش كمفتاح رئيسي لفهم الآلة السياسية والأمنية التي تحركها أبوظبي في ملفات شائكة، من التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي إلى حملات التأثير الإعلامي، ومن شراء الذمم الغربية إلى تبرير انتهاكات حقوق الإنسان. 

بصفته المستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي محمد بن زايد، يتحرك قرقاش خلف الستار، لكنه يترك بصماته في كل قرار أو صفقة مثيرة للجدل. هذا التقرير يرصد، استنادًا إلى سلسلة من التحقيقات والمصادر الدولية، مسيرة قرقاش في الدبلوماسية الموازية وما خلفها من فساد وتأثير خفي.

التطبيع مع الاحتلال.. من “الخيارات السيادية” إلى هندسة التحالفات

لم يكن إعلان الإمارات عام 2020 عن اتفاق “أبراهام” لتطبيع العلاقات مع إسرائيل خطوة دبلوماسية معزولة، بل نتيجة عمل طويل وممنهج قاده أنور قرقاش في دوائر مغلقة. ظهر قرقاش وقتها كمبرر رسمي لهذا التحول الصادم، مؤكدًا أن التطبيع “خيار سيادي” يخدم المصالح الوطنية ولا يستهدف أحدًا، في إشارة إلى إيران. لكنه في الوقت ذاته، اتهم من يرفض التطبيع بأنه “يعيش في الماضي”، محاولًا شيطنة كل صوت معارض وتوصيفه كمعرقل للتنمية.

غير أن التطبيع لم يكن بريئًا كما وصفه قرقاش. فالاتفاق، كما كشفت وثائق لاحقة، جاء تتويجًا لتحالف استراتيجي غير معلن بين أبوظبي وواشنطن وتل أبيب، شمل صفقات تسليح ضخمة، أبرزها شراء الإمارات 50 طائرة “إف-35” بمبلغ تجاوز 23 مليار دولار، بدعم واضح من اللوبي الإسرائيلي في الكونغرس الأميركي. هكذا استخدم قرقاش شعارات “الاستقرار والتنمية” لتغطية مشروع عسكري وأمني معقد يخدم مصالح الاحتلال، لا الشعوب.

هندسة جماعات الضغط.. رشاوى وعلاقات مشبوهة لتغيير السياسات

يتفق المراقبون على أن قرقاش هو العقل المدبر وراء آلية النفوذ الإماراتي في العواصم الغربية، خصوصًا واشنطن وبروكسل. فبحسب تقارير مركز الديمقراطية للشفافية (DCT) ومجلة Gli Stati Generali، قاد قرقاش شبكة من جماعات الضغط تعمل مقابل مبالغ ضخمة لتغيير السياسات الأوروبية تجاه قضايا تتعلق بالإمارات، من بينها الملف اليمني، الحرب على قطر، وتبرير الانتهاكات الداخلية.

تعتمد هذه الشبكة على استقطاب دبلوماسيين غربيين سابقين وإلحاقهم بمراكز بحث وأكاديميات ممولة إماراتيًا، مثل “أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية” (AGDA)، التي ترأسها حتى 2022 المبعوث الأممي السابق إلى ليبيا برناردينو ليون، مقابل راتب فلكي وامتيازات مغرية.

كما تشير الوثائق إلى علاقة قرقاش بـ”بروجيكت أسوشيتس”، شركة علاقات عامة مقرها لندن، استخدمها لتشويه صورة قطر خلال الأزمة الخليجية عام 2017. هذه الشركة كانت بقيادة ديفيد ريج، الذي تربطه علاقات وثيقة بقرقاش منذ التسعينات، وتوصف في الأوساط الأمنية بأنها واجهة لأنشطة استخباراتية.

غطاء حقوقي لتبييض الانتهاكات

في خطوة وُصفت بأنها “وقحة”، ترأس أنور قرقاش في 2023 اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان بالإمارات، رغم سجله الحافل بالدفاع عن الانتهاكات. 

فمنذ تشكيل اللجنة، لم يتطرق قرقاش إلى معاناة معتقلي الرأي أو الانتهاكات الممنهجة ضد النشطاء، بل تحوّل إلى بوق لتبرير القمع تحت ستار “الأمن القومي” و”محاربة التطرف”.

تقارير منظمات مثل الحملة الدولية للحريات ومركز إيماسك أوضحت أن اللجنة لا تعدو كونها “لجنة شكلية”، هدفها تحسين صورة الدولة لا معالجة الانتهاكات. 

فبينما تمارس السلطات القمع بحق مئات النشطاء وتمنعهم من المحاكمة العادلة، يواصل قرقاش الإنكار العلني والتشكيك في تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، واصفًا إياها بـ”المسيسة”.

كما شارك في التحريض على قنوات إعلامية مستقلة، أبرزها “الجزيرة”، متهمًا إياها بـ”التحريض” و”معاداة السامية”، تبريرًا لحملات التجسس والقرصنة التي طالت صحفييها من قبل أجهزة الإمارات الأمنية.

من جهاز الأمن إلى واجهة النفوذ السياسي

بدأ قرقاش مسيرته في جهاز أمن الدولة الإماراتي، قبل أن ينتقل إلى العمل الدبلوماسي عام 2006 كوزير دولة. ومنذ ذلك الحين، صار رجل المهام القذرة في السياسة الخارجية. 

في الأزمة الخليجية، كان عراب الحصار على قطر، وفي اليمن، لعب دورًا في تغطية التدخل العسكري الذي قاد إلى كارثة إنسانية، بدعوى “الاستقرار الإقليمي”.

كما قاد جهودًا سرية لتقارب أبوظبي مع إيران، رغم الخطاب العلني العدائي، وكان مهندس زيارة طحنون بن زايد لطهران في 2021، في تناقض فاضح مع السياسات المعلنة.

أما على الصعيد التجاري، فالعائلة التي ينتمي إليها قرقاش تمتلك إمبراطورية اقتصادية في دبي، أبرزها مجموعة “قرقاش موتورز”، وكثيرًا ما وُجهت له اتهامات بتسهيل عقود وتحايل على العقوبات الدولية، خصوصًا في علاقته بإيران.

قرقاش.. واجهة أم ذراع خفي؟

ما يتضح من تتبع سيرة أنور قرقاش هو أنه ليس مجرد مستشار دبلوماسي، بل ذراع استخباراتي ودعائي في آنٍ معًا. فبينما يتحدث عن “التنمية والانفتاح”، يتحرك لتكميم الأصوات، وتشويه المعارضين، والتلاعب بالسياسات الدولية عبر المال والعلاقات.

ولعل أخطر ما في دوره، كما تؤكد عدة تحقيقات، أنه ساهم في الدفع نحو تبني الاتحاد الأوروبي مواقف متساهلة تجاه الإمارات، رغم سجلها الحقوقي الكارثي. تم ذلك من خلال تقديم الهدايا، استقطاب النخب، وإنشاء واجهات أكاديمية تغسل السياسات الاستبدادية بلغة دبلوماسية مخادعة.

الخاتمة: نهاية رجل نفوذ أم استمرار في الظل؟

رغم إقالته من وزارة الخارجية عام 2021، لم يغب قرقاش عن المشهد، بل أعيد تدويره كمستشار رئاسي، محافظًا على قنواته مع واشنطن، لا سيما من خلال علاقته السابقة بمستشاري ترامب، مثل كيليان كونواي وإليوت برويدي.

اليوم، ومع اشتداد الانتقادات الدولية للإمارات بسبب انتهاكاتها وفضائحها الحقوقية، يبدو أن قرقاش لا يزال يحتفظ بدوره في صياغة الرواية الرسمية، مهما بلغت فداحتها. يبقى السؤال: إلى متى يمكن لواجهة ناعمة أن تخفي قسوة الواقع، وللدبلوماسية القذرة أن تنجو من الحساب؟

اقرأ أيضًا : صيدنايا السعودية.. سجون الموت البطيء في مملكة آل سعود