في حادثة جديدة تعيد فتح جراح قديمة، توفي الداعية والمفكر السعودي وليد الهويريني بعد معاناة صحية أعقبت الإفراج عنه عقب نحو سبع سنوات من الاعتقال التعسفي، لتُضاف قصته إلى سلسلة طويلة من المآسي التي شهدتها السجون السعودية، والتي باتت في نظر مراقبين وحقوقيين أشبه بمعتقل “صيدنايا” السوري الشهير، من حيث حجم الانتهاكات وأساليب القتل البطيء التي تنتهجها سلطات المملكة، لا سيما بحق المعارضين والدعاة وأصحاب الرأي.

ورغم توقيع السعودية على اتفاقية مناهضة التعذيب منذ عام 1997، إلا أن السجل الحقوقي للمملكة، وخاصة منذ صعود محمد بن سلمان إلى السلطة الفعلية عام 2017، يوثق كما هائلًا من الانتهاكات داخل منظومة السجون، شملت الإهمال الطبي، والتعذيب، والعزل الانفرادي، والتصفية الجسدية، مع محاولات حثيثة من النظام لفرض تعتيم إعلامي محكم عليها.

 

موتٌ معلن بعد الإفراج.. الهويريني نموذجًا

وفاة وليد الهويريني لم تكن مفاجئة للمتابعين، لكنها كانت موجعة. فقد خرج المفكر الإسلامي من سجن آل سعود بجسد منهك، بعد سنوات من الاعتقال دون محاكمة عادلة. 

عانى خلال سجنه من الإهمال الطبي وسوء المعاملة، ما انعكس فورًا على حالته الصحية بعد الإفراج عنه، ليقضي نحبه في صمت، دون تحقيق أو محاسبة.

تأتي وفاة الهويريني لتسلط الضوء من جديد على حالات مماثلة لرجال فكر ودعوة قضوا بعد خروجهم من السجن، وأبرزهم الكاتب صالح الشيحي، الذي خرج في حالة صحية متدهورة ليلقى حتفه سريعًا، والداعية أحمد العماري، الذي توفي بعد أيام من الإفراج عنه في حالة “موت دماغي”، فضلًا عن عبد العزيز الزهراني، الذي أنهكه المرض بعد سنوات من الاعتقال السياسي.

هذه الوقائع تشير إلى نمط متكرر من “القتل البطيء”، يتم عبر مزيج من العزل والإهمال والتعذيب النفسي والجسدي، يفضي إما إلى الوفاة داخل الزنزانة أو بعد إطلاق سراح صوري يحاول النظام من خلاله التنصل من مسؤوليته المباشرة عن الموت.

سجون آل سعود.. منابر إعدام صامتة

منذ تولي محمد بن سلمان زمام القرار في السعودية، تحولت السجون إلى أدوات قمع ممنهجة لم تصب فقط المعارضين السياسيين، بل طالت كذلك نخبة من الدعاة والأكاديميين والكتاب، أمثال الشيخ سلمان العودة، الذي يقترب من عامه الثامن في السجن، وسط تحذيرات حقوقية من أن حالته الصحية في تدهور مستمر قد يؤدي إلى وفاته.

وبحسب رصد حقوقي لمنظمة “سند” و”المنظمة الأوروبية السعودية لحقوق الإنسان”، فإن قائمة المتوفين داخل السجون أو بعد الخروج منها تشمل أكثر من 20 حالة موثقة، بينهم شخصيات بارزة كعبد الله الحامد، موسى القرني، صالح الضميري، فهد القاضي، مطلق الدويش، قاسم القثردي، وغيرهم.

كما سجلت حالات مروعة لمعتقلين قُتلوا تحت التعذيب مباشرة، مثل مكي العريض الذي توفي بعد يومين فقط من الاعتقال وظهرت على جسده آثار تعذيب بشعة، ومحمد رضا الحساوي الذي عُثر على كدمات قاتلة في أنحاء جسده، فضلًا عن نزار آل محسن، الذي زعمت السلطات وفاته بسكتة قلبية بينما كشفت مصادر حقوقية وجود نزيف داخلي وضرب على الرأس.

الاعتقال في السعودية لا يعني السجن فقط، بل هو احتمال مفتوح على الاختفاء القسري، التعذيب الممنهج، والإهمال الصحي، وكلها وسائل لا تؤدي فقط إلى إسكات الصوت، بل إلى تدمير الجسد والروح وصولًا إلى الوفاة، في ظل غياب شبه تام لأي رقابة أو مساءلة دولية فاعلة.

مملكة الترفيه والمشانق.. بن سلمان يقود مشروعا للقمع والتصفية

بينما يُصدّر محمد بن سلمان صورة “الإصلاحي الحداثي”، تتكدس تقارير المنظمات الحقوقية العالمية بما يفضح الوجه القبيح لحكمه القائم على القمع والبطش، حيث تُستخدم المحاكمات الصورية، وأحكام الإعدام، والاعتقالات التعسفية، كأدوات لحسم أي معارضة، حتى وإن كانت تغريدة أو رأيًا فكريًا.

اللافت أن معظم من قضوا في سجون “صيدنايا السعودية” لم يُعتقلوا على خلفية عمل مسلح أو انخراط في تنظيمات، بل بسبب مواقف فكرية، أو انتقادات علنية، أو حتى نصائح وجهت سرًا إلى السلطات. فالقاضي فهد القاضي اعتُقل فقط بسبب رسالة نصيحة، والشيحي أوقف بعد تصريحات إعلامية، والمهندس أحمد السلطان بسبب تغريدات لم ترُق للحاكم الفعلي للبلاد.

هذا المشهد يضع السعودية في مصاف أسوأ الدول من حيث حرية التعبير، ويعكس توجهًا سلطويًا متصاعدًا لم يعد يطيق حتى “النصح الهادئ”، بل يرغب فقط في أصوات تطبّل لقرارات ولي العهد، مهما بلغت من خطورة أو عبث.

السؤال المفتوح: من التالي؟

في ظل استمرار تغييب الشفافية وتكتم السلطات السعودية على أوضاع السجون، تبقى المخاوف مشروعة على حياة من تبقى من المعتقلين، وعلى رأسهم الشيخ سلمان العودة، وعوض القرني، وعلي العمري، وغيرهم من رموز الصحوة والوعي الإسلامي.

وفاة الهويريني هي ناقوس خطر، ورسالة واضحة بأن من بقي في السجن معرض للموت البطيء، في ظل بيئة تعذيب ممنهجة، وإهمال طبي متعمد، وسلطة ترى في أي صوت مخالف تهديدًا يجب سحقه.

ولعل السؤال الأكثر إلحاحًا بعد كل هذه الوقائع هو: من سيكون الضحية القادمة في “مملكة الموت البطيء”؟ وما الثمن الذي ينبغي دفعه دوليًا لوقف هذه الانتهاكات المستمرة بحق أرواح بريئة تموت لأن “الكلمة” وحدها أصبحت جريمة يعاقب عليها بالموت في السعودية بن سلمان؟

اقرأ أيضًا : دروع بشرية ومجزرة إنسانية: وثائق تكشف إجرام الجيش الإسرائيلي في غزة